دراكــــــولا- والموروثات الحضارية بقلــم د/ طــارق رضـــوان

دراكــــــولا- والموروثات الحضارية 

بقلــم د/   طــارق رضـــوان

الرعب في الأفلام لا يجب أن يكون غايةً، بل هو مجرد وسيلة لعرض القصة وتقديم الرسالة والمضمون الذي تحمله، ولعل خير مثال على ذلك هو فيلم IT الذي تم عرضه قبل فترة قصيرة، والذي حقق نجاحًا جماهيريًا ساحقًا وحظي بإشادة كبيرة من النقاد.

وجدير بالذكر أنّ جذور الحضارات العربية تمتد آلاف السنين في عمق الزمن، وبناءً على ذلك فإنّ موروثها يعتمد على الحقائق التاريخية التي تم المبالغة في تصوير بعضها مما أصبغ عليها طابع الأسطورة، ونتجت عن ذلك السير الشعبية مثل سيرة أبو زيد الهلالي وعنترة بن شداد وغير ذلك من القصص الملحمية التي تتمحور حول البطولة والعزة والفداء، أمّا على الجانب الآخر نجد أنّ الحضارات الأوروبية عمرها قصير وموروثها الثقافي قائم بصورة أكبر على الأساطير والخرافات التي انتشر أغلبها خلال القرون الوسطى، ومنها أسطورة الكونت دراكولا والمستذئب وغيرها من الروايات التي تدور حول اللعنات والشياطين والقوى الظلامية.

وقبل ظهور رواية  ” برام ستوكر ”  بكثير تجد ان خصائص مصاصي الدماء اندمجت ببعضها عبر العصور و الثقافات ، منذ العصور الأوائل و حتى يومنا هذا ، فاختلطت بأساطير شعبية و أخرى شيطانية ، و أساطير أطلقتها السلطة لتخويف الشعوب ، أو أساطير ارتبطت بالدين و المعتقدات بمختلف أشكالها .. ولكن في المجمل .. ارتبطت أساطير مصاصي الدماء .. بالدمّ .. وساعد فى ذلك  انتقال بعض المستكشفين من العالم القديم – أوروبا و أفريقيا وآسيا – إلى العالم الحديث  أمريكا.

تعود البذرة الأولى لمصاصى الدماء قبل 4000 سنة، حين خشي الآشوريون و البابليون من لاماستو ( او لاملاشتو ) وهي شيطانة ولدت عبر ولادة فاشلة لربّ السماء ( Anu ) ، و تخيّل الأشوريون أنها تتسلل إلى البيوت و تقتل الأبناء أو تسرقهم لكي تشيطنهم ، وربطوا ذلك بحالات الإجهاض التي تحدث للنساء في ذلك الوقت .. و الترجمة الحرفية لاسمها ” she who erases ” ، هيَ التي تمحو ” ، وتستهدف أحياناً البالغين ، فتمصُّ دمائهم و تجلب لهم الكوابيس السيئة ، وقد صورّت لاماستو على شكل امرأة مجنحّة بمخالب طويلة ، و أحياناً برأس أسد ، و لكي يتجنبها الناس ، قاموا بلبس تعاليق تمثل الربّ الشرير.

فالشعوب القديمة عبدت أرباباً وُصفوا بالعطش للدماء و ذلك لدفع شرهم ، وبذلك ارتبطت هذه الأسطورة بالدين و الخلق ( ولذلك كثيراً ما نجد الصلبان والمياه المقدسة مثلاً في الشكل الحديث للأسطورة ) ، وقد ساد سلوك شرب الدم بين الناس ، فاعتقد المصريون القدامى أنه يمنح طول العمر و قوة الجسد.

ففي روما ، و أيام نشوة و عزّ الحضارة الرومانية ، ساد اعتقاد بين النساء الرومانيات أن شرب المرأة العقيم لدم المرأة الخصيبة سيعالجها ، و كذلك بين الرجال لزيادة الخصوبة ، وانتشرت الأمراض بشكل مروع و مخيف في روما بسبب هذا التصرف

وفي أمريكا الجنوبية وبعض ملاحظة ودراسة، وجد  المستكشفون خفافيش .. تهجم ليلاً وتقتنص رقاب النائمين لتمصَّ دمائهم .. وتعود يوماً بعد يوماًً .. كلٌّ إلى نفس هدفه .. و تكمل مشوار امتصاص الدماء .. حتى يموت الهدف .. بسبب فقد الدمّ .. ومن هنا انتقلت صورة مرعبة ارتبط فيها مصاصو الدماء بالخفافيش .

كذلك خاف الإغريق من بنات ” Hecate ” ربّة السحر ، ويملكن القدرة على تبديل أشكالهن ، وتروي الاسطورة أنهنَّ هربت من هيدز ( العالم السفلي ) في الليل ، على شكل نساء جميلات ، و يغرين الرجال ثم يقتلنهم.

وانتقلت الأساطير إلى غرب أوروبا ، و ذلك ما فتّن الكاتب الإيرلنديبرام ستوكر ” وبهذا اتجه إلى كتابة كتابه الشهير ” Dracula ” ، والذي كان أصل الأسطورة الحديثة ! ..

في منتصف القرن الخامس عشر ، حكم رجلٌ يدعى “فلاد”أو الذي عرف في بعض كتب التاريخ باسم ” Vlad Dracula ” و التي تعني بالرومانية .. فلاد الشيطان .. كان حاكماً جائراً ساطياً ، وقف حجراً في حنجرة العثمانيين الذين لم يستطيعوا تجاوز رومانيا بسبب جيشه الصغير ، بل والحقّ يقال ، كان السبب الرئيسي في هزيمتهم ، بعد أن نكصّوا على أعقابهم لمواجهته بعد أن تعمقوا في أوروبا.

“دراكولا”  واحد من اشهر الشخصيات الادبية التي اكتسبت تجلياتها فى العديد من الأعمال السينمائية والمسرحية والكارتونية. مُثلت مسرحية دراكولا في سنة 1927 و تبعها الفيلم ، و عبرها وصلتنا صورة دراكولا الشهيرة ( العباءة السوداء ، والشعر الكثّ الأسود ) ، اما وصف ستوكر فكان لعجوزٍ قبيحٍ أبهتهُ الزمن.

لكن إذا ما عدنا إلى  رواية “دراكولا” لبرام ستوكر، والتي حظيت يمئات الدراسات النقدية والتحليلات المختلفة لما تحمله من رمزية عميقة، تقدم لنا بنية سردية متكاملة ومعقدة في مواجهة مباشرة بين فكرتي الخير والشر.

ويقال إن هذا الرجل المريض نفسيًا، فلاد الثالث ، كان يتلذذ بمشاهدة مناظر القتل والتعذيب لدرجة أنه تعمد أن يكون حول قصره من كل الاتجاهات خوازيق يعدم عليها الناس.

كما هاجم «دراكولا» مدينة براشوف الرومانية، معقل البويار، للانتقام منهم، وأعدم قرابة 30.000 من تجار المدينة وقادتها خزقًا صبيحة الاحتفال بعيد القديس برثولماوس، في 11 يونيو 1459، بعد اتهامه إياهم بالفساد والتآمر على والاكيا، بعدها خلد إلى الراحة وتناول الغذاء وسط الجثث المعلقة على الخوازيق، تاركًا إيها للتعفن، تحذيرًا منه لكل من تسوّل له نفسه الخروج عن طاعته.

وذكرت المصادر أنه خوزق راهبًا مع حماره، كما خوزق 500 شخص من المنتسبين إلى الأسر العريقة، ويقال إنه استمتع عندما خوزق 600 تاجر أجنبي، كما رمى 400 طالب في نار كبيرة أشعلها لهذا السبب، وأجبر الأطفال على أكل لحم أمهاتهم اللاتي قتلهن، وقطع ثدي بعض الأمهات، وخيط محلها رؤوس أولادهن، كما جمع كل متسولي البلد وقدم لهم الأكل، ثم قام بإحراقهم وسلخ جلود أرجل الأسرى الأتراك ثم مسحها بالملح، وجعل الأغنام تلحسها.


دراكــــــولا- والموروثات الحضارية 
بقلــم د/   طــارق رضـــوان

ثقافات الأمم و صورة المعــلم Nations’ Cultures And A teacher’s Picture بقلم د. طــارق رضـــوان

ثقافات الأمم و صورة المعــلم Nations’ Cultures And A teacher’s Picture 

بقلم د. طــارق رضـــوان

فى مقالى السابق “تسييس الأدب” ومقالى “حرب الفيروسات” كانت العلاقة واضحة جدا للجميع أن للأدب ،والسينما تحديدا، دورا فعال فى تشكيل رؤية المجتمع ومفاهيمه.ففيرس كورونا  وكارثة ضرب برجى 11 سبتمبر بأمريكا ما هما إلا تقليد حرفى لما شاهدناه مسبقا . وتم تنفيذه على أرض الواقع لاحقا.

بالأمس القريب كنا ننادى بضرورة إصلاح العلاقة بين رجل الشرطة والشعب. واليوم أتحدث مع حضراتكم عن “كرامة وهيبة المعلم”. لكنى لن أتحدث عما يجرى على لسان الغالبية من الزملاء ممتهنى مهنة التدريس . وإن كانت أوجاعهم المادية هى معاناة قعليه وتنعكس على ضعف و هلاك التعليم. لكن ما يؤرقنى ويؤلمنى هو العداوة الشرسة والعلاقة التى فسدت بين السادة أولياء الأمور وبين المعلم…فهل ترى غير ذلك؟ بل الفاجعة الكبرى هى أن يكره الطالب معلمه. فكيف سيتلقى منه العلم؟! هل ترى ان العلاقة بين المعلمين بعضهم البعض علاقة محبة واحترام متبادل؟فلما يقلل بعض المعلمين من قيمة زملائهم امام الطلاب أو امام ولى الأمر أو حتى امام المديرين والرؤساء…هل هذا سلوك  تربوى سوى؟!!

أرى أن الأمر يحتاج وقفة وجدية فى التخلص مما  أفسد حياتنا وأضر بكرامتنا وعزتنا كمعلمين . فما صورتنا بين طلابنا وما صورتنا فى عيون اولادنا وزوجاتنا واقاربنا واصدقائنا ؟

لو أن للمعلم مكانة مرموقة لما احتاج أحمد بك شوقى أن يأمرأمرا قاطعا حازما فيقول:

“قُـمْ للمعلّمِ وَفِّـهِ التبجيـلا……كـادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا”

وأنت يا عزيزى ولى الأمر أنسيت أن هذا المعلم أب ثانى  لولدك وابنتك وأن المعلمة  هى بمثابة أم ثانية لطلابها؟! والله لو ترى يا عزيزى مدى الاهتمام والتعب البدنى والنفسى للمعلم طوال اليوم الدراسى للحفاظ على صحة وسلامة أولادك لأشفقت على كل من يعمل بمهنة التعليم”  ولكن كما قال  أمير الشعراء :” فاللهُ خيرٌ كافلاً ووكيـل”ا

لا شك أننا بصدد كارثة تستحق وقفة ودراسة واعادة التفكير والسلوك للخروج منها بشكل عاجل والا فلا تنتظر خلقا ولا علما من جيل قادم.

أعود لدراستى النقدية وعالمى الأدبى  حيث يقول أستاذ النقد بجامعة حلوان، الدكتور صلاح السروي، الفنّ لعب دوراً رئيساً في تحريك الوعي الجمعي للشعب المصري تجاه المعلّم، والعملية التعليمية بشكل عام، فقد نحّى الجانب الإنساني للمُدرّس؛ باعتباره تاجراً يسعى إلى كسب عيشه، فتجرّد المعلّم تدريجياً من رسالته السامية، وبفعل العوامل الاقتصادية والمعيشية التي يمرّ بها قطاع عريض من الشعب المصري، تحوّل المعلم إلى تاجر علم، ومادّة خام للسخرية الدرامية التي لم تكف عن هذا التوجه منذ عقود“.

فصورة المدرس قديمًا كانت مختزلة بعض الشيء لدى الكثيرين في الرجل الوسيم صاحب الشعر المهندم ورابطة العنق المميزة والطلة الكلاسيكية، ولعل أهم من رسخ في أذهاننا هذه الصورة الممثل الراحل أحمد مظهر بعد الشخصية التي قدمها في فيلم «غصن زيتون»، ثم ما قدمه الممثل الراحل شكري سرحان في فيلم «السفيرة عزيزة» .هذه الشخصيات التي قُدمت في تلك الأفلام أضافت وقتها جاذبية خاصة ومكانة اجتماعية غير عادية لمهنة التدريس ولممتهنيها بشكل عام، وساعد على ذلك أن هذه المهنة كانت تحمل تقديرًا مجتمعيًا كبيرًا في مصر في ذلك الوقت.

قدّم الفنان المصري الراحل، نجيب الريحاني، في فيلمه “غزل البنات”، أشهر نماذج المعلّم في السينما المصرية، فنجد في بداية الفيلم رجلاً رثّ الثياب يبدو عليه البؤس، ويعمل مدرس لغة عربية، لابنة أحد الباشاوات. ومن خلال أحداث الفيلم تتابع مشاهد سخرية الفتاة المدللة وصديقاتها، اللاتي يصنعن مواقف مضحكة تجاه المدرس للتقليل من كرامته، إلّا أنّ النهاية تكون مغايرة ولكنها لم تنجح في مسح هذه الصورة التي تكرّست في أعمال فنية لاحقة.

ورغم محاولات البعض اليوم التباكي على أيام العهد الملكى وتقديمها بصورة مثالية في مقابل المرحلة الجمهورية؛ فالطبقة الأرستقراطية تنعم بكلّ ما لذّ وطاب، والباشا الذي يقطن قصراً فارهاً، بينما المعلم مغلوب على أمره أسير وضعه المالي المتردي، ما أبرز حقيقة التفاوت الطبقيّ الكبير الذي عاشه المجتمع المصري وقتها، ولكن ذلك جاء على حساب الاستهزاء من المعلم نفسه.

فقبل أكثر من قرن من الزمان؛ تبادل الصديقان الأديبان، مكسيم غوركي وأنطون تشيخوف، رسائل عديدة، من بينها رسالة عن المعلّم، يستطرد فيها تشيكوف عن حاله في روسيا؛ حيث يعيش أقسى حالات التقشف، ويتساءل: كيف يمكن للمعلّم أن يُقدم أجيالاً تعلي راية الوطن وهو لا يجد قوت يومه؟ ويبدو أنّ تساؤلات تشيخوف عبرت الأزمان لتستقر في الواقع المصري، الذي يشهد على ما يتكبّده المعلم من عناء من الناحيتين؛ النفسية والاقتصادية، وكان من الطبيعي أن تعالج السينما صورة “مربي الأجيال” منذ بداياتها، لكن غلبت على أعمالها السخرية المقصودة، وتقديمه ضمن الشخصيات الكاريكاتيرية، التي حُفرت في أذهان أجيال عديدة، رغم ظهور بعض الأعمال التي قاومت هذه الصرعة.

وعن أبرز أدوار المدرسين في “زمن الفن الجميل”؛ نجد الثنائية التي قدمها شكري سرحان وعبدالمنعم إبراهيم، في فيلمالسفيرة عزيزة” العام 1961؛ حيث جسّد سرحان دور المدرّس الطموح، الذي يكفّ أذاه عن الناس، لكنّه يتصدّى للشرّ الذي ينشره جاره الجزار في المنطقة، أما عبد المنعم إبراهيم فقد جسّد شخصية معلم اللغة العربية؛ الذي يتقن الفصحى، ولا يتحدث إلّا بها، ويستخدمها بشكل فكاهيّ وسط أصدقائه

والصورة السابقة تذكّر بفيلم “زقاق المدق” (1963)، للمخرج حسن الإمام، الذي قام فيه الفنان الكبير حسين رياض بدور مدرس اللغة الإنجليزية، المضطرب نفسياً، الذي أصبح محطّ سخرية أهل الحي.

وفي السبعينيات قدّم حسين فهمي، فيانتحار مدرس ثانوي”، دور المعلم المسكين الذي أرهقته سياسات الانفتاح وغلاء الأسعار، وزواجه بامرأة أخرى طمعاً في أن يصبح أباً، لتتحوّل زوجتاه إلى مصنع أطفال، فضاق عليه الحال، لينتهي منتحراً في مياه النيل.

أما المخرج سعيد مرزوق؛ فقد رصد جانباً مغايراً إلى حد ما في فيلمه “المذنبون” الذي عُرض العام 1975؛ حيث يبيع ناظر (مدير) إحدى المدارس الحكومية أسئلة امتحانات نهاية العام، لقاء حفنة من المال، لرجل ثريّ في حفلة ماجنة، ليتمّ إلقاء القبض على الجميع، ويتلقى المعلم عقوبة السجن، ويظهر كضحية للمجتمع الذي أفسد منظومة التعليم، ويلقي الضوء على الفساد داخل المؤسسة التربوية، وهنا يقع المعلم أسير القضبان نتيجة جشعه الذي ولّده ضيق حال المدرسين في مصر.

أمّا أحمد زكي، في فيلمه “البيضة والحجر” العام 1990؛ فقد جسّد شخصية دور معلم الفلسفة، الذي حوّلته المدرسة للتحقيق؛ لأنّه دعا طلابه للتمسك بالقيم والمبادئ، فضاق به الحال، بعد خسارة عمله الذي لا يكفل له حياة كريمة، فاستخدم قدراته المعرفية في الدجل والشعوذة، ليصبح صاحب سلطة ومال.

هناك القليل من الأفلام التى أنصفت صورة المدرس، وأظهرتها بموضوعية، مثل ما قدّمه نور الشريف، في فيلمه “آخر الرجال المحترمين” العام 1984، في شخصية الأستاذ فرجاني، المعلم الريفي الذي يتخبط بين تقاليده الريفية الراسخة، وحياة المدينة المضطربة

كما جسّدت سميرة أحمد شخصية معلمة، في مسلسل “امرأة من زمن الحبّ” العام 1998، وأظهر فيها السيناريست العربي الأشهر أسامة أنور عكاشة تلك القوة السحرية التي تمتلكها معلمة في سنّ التقاعد، تقوم على رعاية أبناء أخيها الذين تربّوا خارج مصر، لترسم ملامح حياة الضبط والالتزام لشبان في سنّ المراهقة، وتعيد تشكيل وعيهم من جديد، بعد وفاة والدتهم، متمسكة بالقيم الاجتماعية التي تربّت عليها في المنيا، صعيد مصر، حيث عاشت.

لجأ بعض كتّاب الدراما إلى رسم صورة مثالية عن المدرسين، وكأنّها أصبحت مطالب اجتماعية؛ كما في الدور الذي لعبه نور الشريف العام 2006 في مسلسل “حضرة المتهم أبي”؛ حيث يؤدي دور مدرس ثانوي يمتنع عن إعطاء الدروس الخصوصية، رغم ضيق عيشه، ويقاوم الفساد بالمثاليات، التي لا تضعف أمام هشاشة المجتمع.

عادت هذه الموجة للظهور بقوة مع “المضحكين الجدد” بدءاً من فيلم “الناظر” لعلاء ولي الدين العام 2000، ثم فيلم “عسل أسود” الذي عُرض العام 2010 للنجم أحمد حلمي، الذي جاء ساخراً من كلّ شيء في المجتمع المصري، ظهر فيه نموذج “مِس ميرفت” (إيمي سمير غانم)، معلّمة الإنجليزية المضطربة، التي لا تستطيع النطق بشكل سليم، في إشارة إلى أنّ مستواها الذي ليس إلّا نتاج تعليم رديء، في مجتمع احتكرت فيه طبقة الأغنياء تعلّم اللغات الأجنبية، وأصبح أبناء المدارس الحكومية غير قادرين حتى على نطق العربية بشكل سليم.

فما تزال الشاشتان الصغيرة والكبيرة في سبيل الإضحاك تصران على المزيد من التشويه لصورة المعلم، كان من آخرها مسلسل “مسيو رمضان مبروك أبو العلمين حمودة” العام 2011 لمحمد هنيدي، بعد “النجاح!” الذي حققته الشخصية العام 2008 في فيلم “رمضان مبروك أبو العلمين حمودة”، الذي ظهر فيه المدرّس مادة للسخرية من قبل طبقة أبناء الأثرياء، الذين لا يأبهون للتعليم؛ بل يتّخذون المدارس نوادي اجتماعية للاستمتاع بالمقالب اليومية التي يمارسونها على المدرسين،

بلغت ذروة السخرية من المعلم فى مسرحية مدرسة المشاغبين (1973) التي بدأ عرضها بعد أشهر قصيرة من نصر أكتوبر وشكلت إهانة المعلم الجسر الذي عبر عليه أبطالها إلى النجومية.

على صعيد الأدب العالمى نجد هناك بعض الأفلام التي اهتمت بقيمة المعلم وتفاعله مع طلابه وطريقة تأثيره فيهم.

عام1989  :  Dead Poets Society

 يُعدُّ هذا الفيلم من أشهر أفلام المعلمين على الإطلاق، حيثُ يمتلئ بالاستعارات والاقتباسات الأدبية الملهمة، تدور أحداث الفيلم حول المعلم المتمرد “جون كيتينج” معلم اللغة الإنجليزية الجديد، والذي يقوم بدوره الرائع روبين ويليامز الذي يقوم بدوره المعلم والأب في نفس الوقت، ويدفع الطلاب للاستمتاع بحياتهم وعدم السير على خطوات آبائهم، بل اتباع قلوبهم وما يشعرون به، ويحل المشاكل النفسية للطلبة ومواجهة تعقيدات الحياة، والذي يحببهم في الشعر ويكوّن معهم جمعيةً تُدعى “جمعية الشعراء الموتى”، ويحاول من خلال تلك الجمعية أن يساعد طلابه على استعادة التوازن في حياتهم.

Lean on Me انتاج عام1989

من الأفلام الملهمة جدًا والتي تسلط الضوء على دور المعلم في حياة الطلاب في نيويورك، وذلك من خلال مدير المدرسة “جو كلارك “،الذي يفعل أيّ شيء مهما كلفه الأمر لكي يجعل مدرسته مكانًا آمنًا، ويخلق بيئةً تعليميةً مناسبةً لكلِّ الطلاب، ولكن في بعض الأحيان يكون من الأفضل التعامل مع الأطفال بطريقة قاسية نوعًا ما حتى يسيطر عليهم

Good Will Hunting انتاج 1999

قصة الفيلم تدور حول “ويل هانتنج” الذي يقوم بدوره “مات ديمون” عبقري الرياضيات الذي يعمل كحارس في الجامعة، لكنّه لا يريد الحياة التي تتفق مع عبقريته، ويجد الراحة في حياته المألوفة برفقة أصدقائه، ويخاف من المضي قدمًا والارتقاء إلى مستوى إمكانياته.
وفي يوم يكتشف موهبته أستاذ جامعي ويستغلها من أجل أن يكمل ويل دراسته في الجامعة، ولكن لا تسير الأمور على ما يرام، فيرتكب ويل حادثًا ضد القانون، ويتمّ إجباره على دروس الرياضيات والعلاج النفسي، ومن هنا يتعرف على معلمه الرائع “روبن ويليامز” الذي يغير طريقة تفكيره، وبالتالي تتغير حياته بشكلٍ كاملٍ ويساعده في إيجاد طريق لنفسه في الحياة، يجعله يؤمن بأنَّ عليه أن ينتهز الفرص التي توفرها له مواهبه.

Freedom Writers انتاج 2007

استوحت قصة الفيلم من قصة حقيقية مأخوذة من رواية للكاتبة إيرين جرويل، التي كتبت عن تجربتها الشّخصية في مهنة التدريس في إحدى المدارس الأميركية في لوس أنجلوس، والتي تقوم بدورها هيلاري سوانك، التي قُدِّر لها أن تكون معلمةً في مدرسة مليئة بالصراعات والنزاعات العرقية، وأن تصارع هي نفسها من أجل إثبات قدرتها على العمل ومواجهة خوف أبيها وغيرة زوجها، ورغم ذلك يزداد إصرارها من أجل خلق حياة مختلفة لطلابها، وتساعدهم في تحسين مستواهم الدراسي والنفسي، من خلال كتابة يومياتهم وآلامهم وقراءتها أمام زملائِهم حتى يتشاركون آلامهم معًا، حتى استطاعت إيرين أن تزرع الود والاحترام بينهم وأن تعيد لهم الأمل في الحياة.

The Class   انتاج 2008

يحكى الفيلم قصة نوع مختلف من المعلمين، معلم يحاول بشتى الطُرُق التواصل مع طلابه المختلفين في الثقافات والطباع والأخلاق، المعلم “فرانسوا مارينالذي يقوم بدوره الممثل الفرنسي “فرانسوا بيغودو” الذي يستعد لسنة دراسية جديدة في مدرسة داخلية مختلطة عرقيًا في باريسيحاول إيجاد الطريقة المثلى للتعامل مع الطلاب، ولكن لكلِّ مدرس رأيه الخاص في الطلاب وكيفية إثابتهم وعقابهم، ولكنه يحاول التواصل مع طلابه، فأحيانًا ينجح وأحيانًا يفشل ولكنه يكتسب محبتهم في النهاية بأُسلوبه الهادئ وطريقته الرصينة.

Precious انتاج 2009

ويعرض قصة الفتاة السمراء البدينة غير المتعلمة، والتي تعتقد أنَّها غبية وعديمة القيمة، وفي يوم تحاول تغيير واقعها، والعمل على إعانة أسرتها، فتقرر أن تستعيد أملها في الحياة من خلال قوة التعليم، وتبدأ في الذهاب إلى المدرسة في برنامج تعليمي يسمى “كل واحد يعلم واحد” بمساعدة المعلمة “رين” التي تغيّر حياتها للأفضل.

وهكذا يتبين لحضراتكم مدى المعاناة والظلم الذى يتعرض له المعلم العربى مقارنة بالمعلم الغربى الذى نال قدر هائل من الاحترام والتقدير والمكانة الإجتماعية المرموقة. فقد قدمته السينما الغربية بصورة مشرفه وله دور لا يمكن الإستغناء عنه فى تربية النشء الجديد. بينما فى السينما العربية تم تقديم المعلم ككائن مصاص دماء ،يعيش ليبتز اموال طلابه، وبالتالى صارت عداوة قوية وبغضاء من جهة أولياء الأمور تجاه المعلم العربى. فهل يليق هذا بحضارتنا العربية؟!


ثقافات الأمم و صورة المعــلم Nations’ Cultures And A teacher’s Picture 
 
بقلم د. طــارق رضـــوان

” التنويم الإيحائي” “hypnosis” بقلــم د. طــارق رضــوان

” التنويم الإيحائي”  “hypnosis

بقلــم د. طــارق رضــوان

يقوم نجاح روايات أجاثا كريستي على استخدام تقنيات أدبية مماثلة لتلك المستخدمة من قبل الذين يعملون في ميدان التنويم المغناطيسي والطب النفسي، حسبما توصلت إليه دراسة نشرت أخيراً في المملكة المتحدة.

ما هو التنويم؟

التنويم هو الدخول في حالة تأمليَّة، ومن ثم استعمالها لتغيير سلوك معيَّن، فكرة معيَّنة، أو عادة معيَّنة. علميًّا يعرَّف التنويم على أنه حالة وعي معيَّنة، يتمُّ فيها انتباه مركَّز على شيء معيَّن، مع انخفاض الانتباه للتأثيرات المحيطيَّة الأخرى، مع قابليَّة كبيرة للاقتراحات Suggestibility.  ومن فوائد التنويم للفرد إيقاف التدخين، الكحول، تحسين النوم، حالات الشره الطعامي واضطرابات الطعام من بوليميا وقمه عصبي، الاضطرابات الجنسيَّة والممارسات الجنسيَّة غير الصحيَّة، إيقاف عض الأظافر، ممارسة الرياضة المكروهة سابقًا، تخفيف الألم، حالات القلق والهستريا واضطرابات النوم، الكولون العصبي، تحسين الوضع الفيزيولوجي والنفسي بعد العمليَّات الجراحيَّة والحروق والصدمات النفسيَّة الشديدة والأمراض الخطيرة كالسرطان… الخ. من إحدى الاستعمالات المميَّزة له هي خلال الولادة وما بعدها من أجل تخفيف الألم، ولكن هذا الاستعمال خفَّ كثيرًا بعد تقدُّم طرق التخدير القطني.

وتجدر الإشارة إلى أنّ التنويم الإيحائي لا يناسب المرضى الذين يعانون من هلوسات وأوهام، أو أولئك الذين يدمنون الكحول أو المخدرات، كما ينبغي اللجوء إليه بعد موافقة الطبيب الفيزيائي وتأكيده بعدم وجود أي خلل أو مشكلة جسدية قد تزيد من الأمر سوءًا لاحقًا. وبالإضافة لذلك، تكمن عيوب التنويم الإيحائي في أنّ نوعية الذكريات والمعلومات التي يذكرها المريض أثناء الآلية غير مضمونة أو موثوقة تمامًا، فقد يقوم المريض بخلق ذكريات كاذبة سواء عن طريق الإيحاءات غير الصحيحة من قبل المعالِج أو من خلال طرح الأسئلة الخاطئة أثناء العلاج.

وكان من الغريب ظهور أول فيلم في التاريخ  بيتم استخدام التنويم  المغناطيسي على معظم ابطاله:

القصة ابتدت لما المخرج  الألماني “ويرنر هيرزوج -Werner Herzo ” قرر أن يخرج فيلم بطريقة جديدة ومختلفة .. فيلم كل أبطاله منومين مغناطيسين بينفذوا الأداء الذى يريده هو بالظبط حتى تصل رؤيته السينمائية مثلما يتمنى بالضبط. وبالفعل بدأ في تنفذ  إجراءات الفيلم واسمه قلب من زجاج –  Heart of Glass – Herz aus Glas ” انتاج عام 1976 .. الفكرة كانت غريبة وغامضة جدا لدرجة كبيرة وجذبت أنظار ناس كثير .. منهم المؤلف والمخرج “آلان غرينبرغ – Alan Greenberg”الذى كتب كتاب كأمل عن تجربة وصناعة الفيلم باسم ” كل ليلة تختفي الأشجار -Every Night the Trees Disappear” وتحدث بالتفصيل  عن الأحداث الغريبة التى تمت أثناء تصوير الفيلم وعملية التنويم المغناطيسي الذى كان يخضع لها كل الممثلين بالفيلم ما عدا ممثل واحد قام بشخصية واحد اسمه Hias  -(Josef Bierbichler) لأن دوره كان يتطلب هذا لأنه كان يقوم بدور عراف القرية الذى وقع لها حدوث كارثة عظيمة ولم يصدقه أحد منذ بداية الفيلم.

حدث ذات مرة ان تم تحقير مندوبي الـbbc عندما ذهبوا لإجراء مقابلة مع أحد المنومين المغناطيسيين.
ففي عام 1946م وكان التليفزيون في أيامه الأولى أخذ فريق من الـ bbc يجري مقبلة مع منوم مغناطيسي ,فقام الأخير بتنويم الفريق بإستثناء المخرج,وعندما طلب المخرج من الفريق متابعة العمل لم يتلق أية إستجابة لأن الجميع كانوا منومين,ومنذ ذلك اليوم أخذت الـbbc  على نفسها عهداً بعدم نقل عروض مباشرة عن التنويم المغناطيسي.

كما أن الممثلة الكوميدية والكاتبةليلى توملينقالت: إنها نومت نفسها مغناطيسياً لكي تنهى كتابة سيناريو أحد افلامها بعد طول تعثّر.
والشيء نفسه فعله الممثلسيلفيستر ستالونلكي يتغلب على خجله – كما يقول- وليكتب سيناريو أفلامرامبوالبالغة النجاح.

وكان بطل الملاكمة المعروفمحمد علي كلاييلجاأ إلى نوع من التنويم المغناطيسي الذاتي كإجراء نفساني قبل مباراياته.

تعود بدايات العلاج بالتنويم المغناطيسي إلى أبي الطب المصري القديمامحوتبوذلك سنة 2850 قبل الميلاد ,حيث كان يستخدم في مدرسته الطبية ومستشفاه بمدينة”منف” طريقة تشبه الإيحاء للوصول إلى المخزن السري”العقل الباطن” بأن يترك مرضاه ينامون سواء كان نومهم طبيعياً أو عن طريق تناول النباتات المخدرة، ثم يجعل الكهان يرددون على أسماء هؤلاء المرضى النائمين عبارات إيحائية لتتسلل إلى أحلامهم وتلعب دوراً إيحائياً في حفزهم على التعافي من أمراضهم التي يعانون منها.

وفي اليونان إشتهرت بعض المؤسسات المتصلة بمعبدأسكولابإله الطب عندهم بمعالجة المرضيى بواسطة الرقاد ,وكان يتم ذلك بواسطة وضع المريض إصطناعياً بحالة نعاس كلي فيصبح شديد التأثر بالإيحاء مما يساعد على الشفاء.

لقد شاع دخول الناس في حالات من الغيبة أو الترانس منذ آلاف السنين وكانت تعتبر كنوع من التأمل والعلاج من قبل الكهنة. لقد ذكر الطبيب المشهور ابن سينا الغيبة منذ عام 1027، ولكن كانت هذه الطريقة نادرة الاستعمال طبيًا.

وقام باحياء هذه الطريقة الطبيب النمساويفرانز انطون ميسمر” 1774م الذي كان يعمل في فرنسا وكان متخصصاً في دراسة الاجرام السماوية على الحياة البشرية إلا انه فيما بعد اصبح مهتماً بدراسة ظاهرة المغناطيسية,وقد لاحظ أن تعريض المريض للمغناطيس يؤدي إلى تخفيف شكواه بدرجة كبيرة ,

في عام 1842م جاء عالم لنفس الإسكتلندي العنيد جيمس برايد الذي توصل إلى تنويم مرضاه بجعلهم يركزن أبصارهم على ضوء يوضع أمام أعينهم
ولقد شبه “برايد” حالة مرضاه كمن يمشي وهو نائم وأطلق على عمله -لأول مره- عبارة “التنويم  المغناطيسي

وبالرغم من أن السلطات البريطانية رفعت في عام 1988م الحظر الذي كانت  قد فرضته قبل 36 عاماً على التنويم المغناطيسي,فإن ملاحقة الشرطة للمنومين المغناطيسي لم تتوقف لا في بريطانيا ولا في سواها من البلدان

فالطفل الذي يلعب بألعابه الالكترونية ولا يسمع نداء والديه هو في حالة تنويم، ومعظم العباقرة مثل موتسارت واينشتاين ونيوتن وغيرهم كانوا في حالة استغراقية تنويمية عندما اكتشفوا وألَّفوا ما فعلوه.وهناك فرق بين التنويم والتأمل :فالتنويم يتم بهدف تغيير سلوك أو فكرة والتركيز فيه يكون على هذا الهدف فقط.

التنويم ليس نفس العلاج التنويمي Hypnotherapy، فالعلاج التنويمي يدخل ضمن العلاج النفسي الذي يستعمل التنويم كجزء من العلاج من أجل استحضار أحداث من الماضي يعتقد أنها تلعب دورًا هامًا في الأفكار، المشاعر والتصرفات الحاليَّة.التنويم ليس بالنوم، فرغم أن كلمة تنويم أو Hypnosis قد أتت من كلمة نوم باليونانية Hypnos إلا أنه يوجد اختلافات بيِّنة، ففي التنويم، يمكن أن يكون الشخص مغمض أو فاتح العينين، غالبًا ما يكون الجسم مسترخيًا ولكن يمكن الاقتراح أن يكون متشنجًا، كذلك في التنويم يسمع الشخص صوت المنوِّم بعكس النوم، وفي التنويم تكون هناك قدرة هائلة على التركيز بعكس النوم، وتحوي أمواج الدماغ الكثير من أمواج ألفا، التي تكون شبه غائبة في النوم. خلال النوم، نفقد العقل الواعي، بينما في التنويم، نكون يقظين ومهتمين بالمغامرة العقلية التي نمر بها.

عادة ما تكون الجلسة التنويميَّة على الشكل التالي:

1-   التحضير Introduction أو اللقاء مع الشخص ومحاولة فهمه ومعرفة أفكاره وتصرُّفاته وإعطائه فكرة عن التنويم ومعرفة ما إذا مرَّ بتجارب تنويميَّة سابقة. كل هذا يتمُّ طبعًا في جو هادئ بعيد عن الضوضاء.

2-  التحريض التنويمي Hypnotic Induction ومحاولة الدخول في حالة متغايرة من الوعي. يتمُّ التحريض التنويمي Hypnotic Induction من خلال إعطاء مجموعة من التعليمات والاقتراحات البدئية، التي تضع ذلك الشخص في حالة استرخاء وغيبوبة.

3-   تعميق التنويم وحالة الغيبة Trance، وتتمُّ عن طريق زيادة حالة الاسترخاء والهدوء العصبي، وبالتالي تفتح المجال أمام الاقتراحات التي تأتي ما بعد التنويم من أجل تغيير عادات وتصرفات معيَّنة أو تقوية تصرُّفات أخرى.

4-   الاستيقاظ من التنويم أو إنهاء التنويم: عادة ما يكون بسيطًا ومباشرًا، ويتمُّ عن طريق الرجوع المباشر إلى حالة الوعي الكامل.

 لكننا كثيرا مانرى الطبيب النفسي كإنسان مضطرب نفسيا او مجنون أو مختل عقليا، في حين انه يحلل سلوك من أمامه ويتعرف على نفسيته بوضوح!.. والحقيقة ان السبب وراء ذلك هي السينما المصريه:

ففي فيلم (الملاك الظالم) للمخرج حسن الإمام انتاج عام 1954 يظهر الطبيب النفسي في صورة شخصية عاقلة جدا تشرح مفهوم المرض النفسي للمشاهد بشكل مبسط واقرب مايكون للواقع.

وفي فيلم (بئر الحرمان) للمخرج كمال الشيخ انتاج عام 1969 يظهر محمود المليجي في شخصية الدكتور “طلعت” الطبيب النفسي الذي كان يعالج “ناهد” أو سعاد حسني من حالة فصام تسببت في انها تظهر للناس بشخصيتين.

وفي فيلم (خلي بالك من عقلك) للمخرج محمد عبد العزيز انتاج عام 1975 يقدم لنا جلال الشرقاوي شخصية الدكتور النفسي بصورة عاقلة ويتعامل مع المشاكل بكتير من الجدية والحزم!.. فنجده مثلا يرفض اندماج الطلاب مع المرضى الا لدراسة الحالات طبعا، ايضا يرفض منهم اي صورة للتعاطف مع الحالة وكان يستخدم العلاج الكهربي كعقاب للمريض غير المطيع، لكنه في النهاية اقتنع بوجهة نظر عادل امام في تغيير طريقته في التعامل مع المرضى.

وفي فيلم (اسف على الأزعاج) للمخرج خالد مرعي انتاج عام 2008 يظهر سامي مغاوري في شخصية الدكتور النفسي اللي جاء لـ(يدردش) مع المريض الذي رفض العلاج، ولكن المريض الذكي والذي كان مصابا بالفصام يدرك الموضوع ويسبب احراجا لأهله وللدكتور.

في فيلم (المنزل رقم 13) انتاج عام 1952.. قدم لنا المخرج كمال الشيخ محمود المليجي في دور الطبيب النفسي حيث كان يستخدم التنويم المغناطيسي في اخضاع المريض لسيطرته ويتحكم فيه كاملا ويدفعه لإرتكاب جريمة قتل لصالحه!.. وهذه طبعا جانب من جوانب الشر في شخصية الطبيب النفسي اللي قدمتها السينما.

وفي دور مشابه قدم لنا المخرج السيد بدير شخصية الدكتور النفساني المجرم في فيلم (نصف عذراء) انتاج عام 1961 عندما ظهر محسن سرحان وكان طبيبا نفسيا مصاب بعقدة دفعته لأن يستخدم علمه في السيطرة على زينب المريضة التي يعالجها والتي كان ايضا يحبها.

وفي فيلم (كده رضا) للمخرج أحمد جلال انتاج عام 2007 ظهر خالد الصاوي في شخصية الدكتور “سليمان” واللي كان يستغل المرضى المترددين على عيادته في القيام بعمليات نصب لصالحه.

وفي فيلم (عروس النيل) للمخرج فطين عبد الوهاب انتاج عام 1963 ظهر لنا الدكتور شديد بهيئته المضحكة كالعادة. وفي فيلم (عصابة الدكتور عمر) يقدم لنا كلا من مصطفى قمر ولطفي لبيب صورة كوميدية من الطبيب النفسي الذي يعالج مرضاه الذين كانوا بيعانون من “الفوبيا” بطريقة الصدمة النفسية.

وختاما نستطيع القول إن التنويم موضوع شائق جدًا، لكنَّه ما يزال تحت الكثير من التدقيق والتمحيص، ولا يزال غير معترف به من جميع الأوساط العلميَّة بما فيها بعض علماء وأطباء النفس. له أحيانًا الكثير من الفوائد، خاصة في مجال الألم وتغيير بعض العادات السلبية، ولكن ما يزال مشكوكًا فيه في العلاج النفسي، وإن كان بعض الأشخاص يذكرون فائدة كبيرة منه.


” التنويم الإيحائي”  “hypnosis”
 
بقلــم د. طــارق رضــوان

أسماء لا تموت… عملاق الأدب العربى “العقـــاد” بقلـــم د. طـــارق رضــــوان

 أسماء لا تموت…  عملاق الأدب العربى “العقـــاد”

بقلـــم د. طـــارق رضــــوان

ولدعباس محمود إبراهيم مصطفى العقاد” في مدينة أسوان في 28 يونيو عام 1889 ومات بمنزله ١٣ من شارع شفيق غبريال بمصر الجديدة في 12 مارس 1964.

أبوه هو “محمود إبراهيم مصطفى العقاد”، كان يعمل موظفا بمدينة المحلة، ثم معاونا بإدارة مدينة أسوان، ثم أمينا للمحفوظات، وتوفي عام 1907، وأمه هيزنوبة محمد أغا الشريف”، وهى حفيدة رجل من رجال الفرقة الكردية في جيشمحمد على“.

خاض العملاق الأسواني العصامي طوال مساره الكتابي كل أنواع الكتابة، ومن هنا قرر ذات يوم كما يبدو أن يخوض الكتابة الروائية فكتب    “سارة”، فى البداية أعتبرها النقاد والأدباء إضافة في الفن الروائي العربي. ولكن مع الوقت فإن توصيفه كرواية بدأ يتراجع ولا سيما من قبل نقاد ومفكرين رأوا أن باع العقاد في مثل هذا النوع من الكتابة ضئيل والدليل أنه لم يكرر التجربة.

وكتب العقاد في أمور كثيرة. والحقيقة أن ما يمكن قوله الآن بعد كل تلك العقود هو أن مشكلة العقاد مع الرواية هي هي مشكلته مع الشعر: كان رجل عقل وتأمل وتفكير، لا رجل أحاسيبس وعواطف. ولكن فن الرواية وكتابتها هو نوع من الكتابة الإبداعيةالذى  يحتاج قدراً كبيراً من المشاعر وبالتالي «تعرية للذات» لم يكن للعقاد قبل بها. ومع هذا يروي أحد أصدقائه أنه في آخر أيامه حين قرأوا أمامه قصيدة كتبها في سارة نفسها انهمرت دموع صامتة من عينيه فأخفاها وبارح المجلس!

لا بد من التأكيد هنا على أن الحكاية التي جاءت في رواية «سارة» لم تكن من نسج خيال الكاتب، بل وصفاً لما حدث له هو نفسه ذات يوم حين أغرم بالسيدة الحسناء التي سمّاها سارة. فما أمامنا هنا هو لقاء يقصّه علينا الكاتب وكأنه يكتب تقريراً، وعلاقة تدوم حيناً وكان يمكن أن تدوم أكثر لولا أن العاشق في الرواية (همام) الذي سيعرف الناس جميعاً أنه الأنا/الآخر للكاتب نفسه، سوف تشتعل غيرته ذات يوم إذ يكتشف، بعد ملاحقة للسيدة من طريق صديق له، أن ثمة رجلاً آخر في حياتها. ومن هنا إيثاراً للسلامة، لا يسألها حتى عمن هو الآخر هذا، بل يطلب منها بشكل حاسم أن توقف علاقتهما وتتركه لشأنه، بخاصة أن النصّ يصف لنا كيف أن ذلك الاكتشاف أراحه إذ بيّن له أن الطريق الذي كان يسير فيه مليء بالأشواك وأنه ليس من القادرين على التوغل في مثل تلك الحكاية. وهكذا أضاع «همام» غرام حياته وعاد الى هدوئه مستسلماً لوحدته وأفكاره. ومع هذا هذا نرى الكاتب يختتم قائلاً: «إلا أن كيوبيد شيطان مريد له لؤم الشياطين ونزعاتهم ومكائدهم وكراهتهم أن يتركوا الناس هادئين وادعين، فمن حين الى حين كان همام يُهجس له ويُهمس. في صدره ليسلبه ارتياحه الى فراق سارة وقدرته على تناسيها فلا يفتأ يعاوده أبداً بهذا السؤال: أليس من الجائز أنها وفت لك أيام عشرتها واستحقت وفاءك وصيانتك إياها وغيرتك عليها؟ أليس من الجائز أنها يئست منك فزلّت بعد فراق؟!…

العقاد كان شخصية درامية بكل معنى الكلمة، فهو انطلاقاً من حجمه العملاق الذي عُرف بكونه عصامياً علّم نفسه بنفسه، وانطلاقاً من شخصيته ذات المراس الصعب وعمق الثقافة الحيوية التي كونها لنفسه، وأخيراً انطلاقاً من شخصيته القيادية التي جعلت له عدداً كبيراً من التلامذة والحواريين، سواء كان ذلك في الأدب، أو في الفكر أو في الفلسفة أو في السياسة، انتهى الأمر به لأن يصبح أشبه بالأسطورة.

فلئن كان قد كتب الرواية («سارة»، مثلاً) فإن روايته لا يمكن اعتبارها من أفضل ما كتب، ولو أخذنا «العبقريات» لوجدنا فيها حشواً كثيراً، ولرأيناها حافلة بالتبريرات والأبعاد السيكولوجية المقحمة اقحاماً. ولو تحرينا مواقفه الفكرية والفلسفية لوجدناها متخبطة كأنها لم تكن أكثر من نتف من هنا ونتف من هناك. ولو تبحرنا في مواقف العقاد الاجتماعية لوجدنا له مواقف في غاية الرجعية (مواقفه من المرأة، من الحداثة في الشعر…) تتجاور مع مواقف في غاية التقدم.

العقاد إما ان تأخذه كله أو ترفضه كله. العقاد حالة وظاهرة، أكثر منه كاتباً، أدبياً أو فكرياً. العقاد صورة حقيقية لمصر: له عصامية مصر، وجرأة مصر، وتطلع مصر الى الأفضل.

اذا شئنا ان نعرّف عباس محمود العقاد كما ينبغي ان نعرّفه، لن يكون من المنصف ان نتحراه في قصة حياته، ولا في كتبه نفسها، بل في ما كتب من حوله: العقاد نراه في مذكرات فاطمة اليوسف (روز اليوسف) وفدياً مشاكساً جريئاً لا يتورع عن التهديد، داخل قبة البرلمان، بقطع أكبر رأس في الدولة، ونراه في كتاب أنيس منصور «في صالون العقاد…» شخصية اسطورية وبطلاً تراجيدياً من النوع الذي يجيد انيس منصور، عادة، رسمه. ونراه في كتاب رجاء النقاش «عباس العقاد بين اليمين واليسار» حيث يعالج الناقد المعروف شخصية العقاد ومواقفه ودوافعه و «تشتته الفكري والسياسي» معالجة متميزة تلقي الضوء كاشفاً وبقوة على ما يمكن ان يكون غامضاً في حياة العقاد وكتاباته.

وفي معظم الكتب التي وضعت عن العقاد أو من حول حياته يطالعنا نفس ذلك العملاق العنيد الصلب، الذي نشأ هكذا وحيداً. وفجأة صار نقطة الاستقطاب الرئيسية في حياة مصر والعالم العربي الفكرية، وعلى الأقل منذ عام 1906 الذي شهد بداياته الحقيقية، تلك البدايات التي كانت فاتحة حياة أدبية وفكرية تواصلت صاخبة مدهشة حتى رحيل العقاد عن عالمنا في عام 1964 وهو في قمة عطائه ومعاركه الفكرية.

كانت حياته العاطفية مليئة بالمغامرات والمشاغبات، فهو كما ذكر المرحوم “عامر العقاد” في كتابه (غراميات العقاد)، قد أحب أربع نساء، هن: “سارة”، و”أليس” وهى فتاة لبنانية، و”مي زيادة” الكاتبة والأديبة الشهيرة، والرابعة هي السمراء الصغيرة وهى فنانة معروفة، غير أن العقاد العاشق اكتوى بنار الحب، وذاق لوعته فقد هجرته “أليس” الشقراء، وخانته “سارة” بعلاقاتها المتعددة بالرجال، ثم هجرته الفنانة السمراء الفارعة القوام.

وبسبب هذا الاكتواء، وهذا الغدر، هرب “العقاد” إلى الفلسفة، ومحاولات التسامي الرومانتيكى، فقد وصف الحب قائلا:

“يسألونك عن الحب قل هو اندفاع جسد إلى جسد، واندفاع روح إلى روح ويسألونك عن الروح فماذا تقول؟.. قل هي من أمر ربي.. خالق الأرواح.. لهذه الكثرة الزاخرة في عناصر الحب بين اثنين لا يخطر على البال أنهما يجتمعان.. وخلاصة التجارب كلها في الحب أنك لا تحب حين تختار، ولا تختار حين تحب، وأننا مع القضاء والقدر حين نولد وحين نحب وحين نموت!!”.

ويقول أيضا في أنواع الحب: “عرفـــت من الحــب أشــكاله وصاحبت بعد الجمال الجمال فحـب المصـــور تمـثالـه عرفت.. وحب الشباب الخيال وحــب التـي علمتنـي الهــوي وحــب التــــي أنـا علمتـها ومن أســـتمد لديهــا القـــوى، ومن بالقــــوي أنـــا أمددتــها“.

وعن حب “العقاد” لـ “مي زيادة” يقول الكاتب الكبير مصطفى أمين في كتابه (أسماء لا تموت ): “كان الشاب الأسمر العملاق يعاملها أحيانًا كملكة، ويتغزل فيها، ويتغني بهواها، ثم فجأة يثور عليها، ويخلعها من عرش الحب الذي تستوي عليه، ثم يعود إليها أكثر عشقًا وأكثر غرامًا، وكانت “مي” تحب هذا الشاعر الذي يحترق ويحرقها، ويحبها ويلعنها، ويتعبد بها ثم يكفر، ويقبل عليها، ثم يدبر..

وحياة العقاد، سواء ككاتب أو كشاعر، كسياسي معارض، كعضو في مجلس النواب، كعضو في مجلس الشيوخ، كمفكر تنويري اسلامي («العبقريات») كناقد أدبي سيكولوجي النزعة («الديوان»)، كانت حياة صاخبة، حياة صراعات لا تنتهي. وواصل ذلك حتى رحيله، فكان واحداً من أساطير الكتابة والسجال، وزاد من اسطوريته أنه كان من المفكرين القلائل الذين لم تكن لديهم مطالب في مال أو جاه. أو لعل مطلبه الحقيقي والوحيد كان الحفاظ على المكانة الأسطورية التي كانت له، وساهم هو في تنميتها حتى غلبت أخيراً على صورته الحقيقية.

فى الماضى كانت أزمات المثقفين كانت تبدأ بطرح وجهة نظر حول عمل أدبى أو إبداعى لأديب معين، ومهما كان وجه الاختلاف، كانت الإبداع والأدب هو السبيل الوحيد للرد، فترى العقاد يرد على طه حسين بمقال، والعقاد مع المفكر والأديب اللبنانى مارون عبود، وغيرهم، بالمقالات والكتب والدراسات، لكن الآن بدلا من هذا الوجه الجميل، يظهر وجها أكثر قبحا ملئ بالسخرية والنميمة وتبادل السب والقذف، وظهر موقع مثل موقع التواصل الاجتماعى “فيس بوكلساحة لتراشق والألفاظ بين مثقفى هذا العصر، بتبادل الشتائم بدلا من تبادل المقالات والأراء القوية والإبداعية.

ولفت الأديب أنور الجندى إلى أن المعارك بدأت منذ وقت مبكر وبالتحديد عام 1914، برسالة منصور فهمى التى قدمها للدكتوراه فى باريس وهاجم فيها الإسلام وموضوعها “حالة المرأة فى التقاليد الإسلامية وتطوراتها” وقد كتبها تحت إشراف أستاذ يهودى هو ليفى بريل”، وكانت تلك الرسالة فاتحة اتجاه اطلق عليه بعد ذلك التغريب سار فيه كثيرون من بينهم: طه حسين، محمود عزمى، سلامة موسى، على عبد الرازق، إسماعيل أدهم، عبد العزيز فهمى، ولطفى السيد.

بدأت معركة العقاد مع طه حسين، من خلال رسالة الغفران، حول فلسفة أبي العلاء المعري، حين كتب العقاد عن الخيال في رسالة الغفران، “إن رسالة الغفران نمط وحدها في آدابنا العربية وأسلوب شائق ونسق طريف في النقد والرواية وفكرة لبقة لا نعلم أن أحدًا سبق المعري إليها، ذلك تقدير موجز لرسالة الغفران”. واستفزت هذه الكلمة طه حسين، فكتب يقول: “ولكن الذي أخالف العقاد فيه مخالفة شديدة هو زعمه في فصل آخر أن أبا العلاء لم يكن صاحب خيال فى رسالة الغفران، هذا نُكر من القول لا أدري كيف تورط فيه كاتب كالعقاد”، ثم أصدر بعدها “بواعث الصمت“.

كما أن من بين المعارك أيضا التى دارت، كانت بين الأديب العالمى نجيب محفوظ والأديب الكبير عباس العقاد، ودارت تلك المعركة في شهور عام 1945، حينما كتب المفكر الكبير العقاد، في كتاب “فى بيتي”، بعضًا من آرائه، متصورًا أنه يجري حوارًا مع نفسه، وقد سألتْه نفسه عن سبب قلة الروايات في مكتبته، فقال لها: إن الشعر أنفس من الرواية بكثير، و“محصول خمسين صفحة من الشعر الرفيع أوفر من محصول هذه الصفحات من القصة الرفيعة”، وحينها ردّ الأديب الناشئ آنذاك نجيب محفوظ، في صرامة وحِدَّة، معتبرًا ما كتبه الكاتب الكبير في السن والمقام العقاد، اتهامًا موجهًا لما يكتبه شخصيًا، ويعتبره طريق حياة، حيث كتب مقالًا اسمه “القصة عند العقاد“.

وفى النهاية لم يردَّ العقاد على نجيب محفوظ، واكتفى بالصمت، ربما عن تعال واستصغار لشأن أديب ناشئ.

الوسوم

العقاد- نجيب محفوظ- طه حسين-“سارة”- مى زيادة –رسالة الغفران- أبى علاء المعرى- رسالة منصور فهمى- الأديب أنور الجندى- بواعث الصمت- التغريب: طه حسين، محمود عزمى، سلامة موسى، على عبد الرازق، إسماعيل أدهم، عبد العزيز فهمى، ولطفى السيد


أسماء لا تموت…  عملاق الأدب العربى “العقـــاد”
بقلـــم د. طـــارق رضــــوان

غضبة لله – رحم الله الإمام بقلــم د. طـــارق رضــــــوان

غضبة لله – رحم الله الإمام

بقلــم د. طـــارق رضــــــوان

دعى الشيخ محمد متولى الشعراوى كلا من توفيق الحكيم ويوسف إدريس والدكتور زكى نجيب محمود، حول مقالات الحكيم «حديث مع الله» لعقد مناظرة تليفزيوينة يحضرها وحده فى مواجهتهم. بدأت القصة عندما كان الأديب والمفكر توفيق الحكيم ينشر مقالته الاسبوعية بعنوان “حديث مع وإلى الله” بجريدة الاهرام كل يوم ثلاثاء تحدت عنوان “حديث الثلاثاء” وكانت تعبر عن حالة أدبية وفكرية كبيرة في الأوساط الثقافية. ومن أهم ما قاله الشيخ محمد متولي الشعراوي حينها “الأستاذ توفيق الحكيم لم يقل لنا كيف كلمه الله.. هكذا مواجهة أم أرسل إليه ملكا أم ماذا حدث؟ وما هي الكيفية التي تم بها الحديث فإن كان الحديث من الله تخيلا أن الله يقول فكأن الأستاذ توفيق الحكيم قد قيد مرادات الله بمراداته، أي أنه قد قيد إرادة الله بإرادته هو؛ فما يريده عقل توفيق الحكيم يقوله الله سبحانه وتعالى في مقالاته وما لا يريده .

وتقييد إرادة الله بإرادة البشر هو خطأ ثان ارتكبه الأستاذ الحكيم، وأعتقد أنه خطأ جسيم لا بد أن يعتذر عنه ويستغفر الله؛ فما من بشرمهما بلغت عبقريته يستطيع أو يسمح له بتقييد إرادة الله بحيث يجعل الله سبحانه وتعالى خاضعًا لإرادة بشر، يقول ما يقوله هؤلاء البشر ولو تخيلا، ذلك اجتراء على الله جسيم وكل من يجترئ على الله سبحانه وتعالى بأن ينقل عنه عز وجل ما لم يقله موعود بالويل؛ فما بالك بمن قيد إرادة الله بإرادته يجعل الله يتكلم متى شاء توفيق الحكيم ويجعل الله يسكت متى شاء توفيق الحكيم أن يسكت الله ويجعل الله يحكم عباراته وكلماته عقل توفيق الحكيم وفكره.

 ترقب الجميع رد الفعل علي هذه المناظرة، فالداعى شيخ له جماهيريته الواسعة، والمدعوون رموز كبيرة فى مجال الفكر العربى، ويرصد الكاتب الصحفى محمد توفيق فى كتابه «الملك والكتابة» هذه الردود قائلا: ” سارع وزير الإعلام صفوت الشريف بالموافقة قائلا: «إن مثل هذه الندوات تساعد على تبصير المجتمع بالقضايا الدينية».. وعلى صفحات جريدة «الشعب» لسان حال حزب العمل المعارض، طرح يوسف إدريس فى حوار له تساؤلات منها: «كيف أن عالما جليلا فى هذه المكانة يسمح لنفسه أن يتهم الآخرين بالكفر وإذا كان هو فعلا غيورا على الإسلام، فالإسلام ينص على أنه قبل الحكم على إنسان لابد أن يحاكم أولا، ونعطى له فرصة الدفاع عن نفسه، ولكن ليس هكذا، وبشكل غيابى يصدر حكما بالردة، أوبالارتداد عن الدين، وهى التهمة التى يعلم جيدا أن عقوبتها الإعدام فى ميدان عام، وإعدام من؟ إعدام رؤوس كبيرة فى البلد تتلمذت على أيديهم أجيال وأجيال”.. رد الشعراوى قائلا: ” إن الشىء الذى أحب أن أحدده ولا أدرى كيف غاب عمن يتصيد ما يأخذه على شخصى أننى لم أرم أحدا بالضلال أو الإضلال أو الكفر، ما الذى يجعلهم يجذبون هذه الألفاظ إلى جهتهم؟”.

وكانت الأزمة الكبرى بين الإمام وإدريس نشبت بسبب كتاب إدريس “فقر الفكر وفكر الفقر” الذي تضمن وصفًا للشعراوى بأنه راسبوتين المسلم، مشيرًا إلى أنه يمتلك كل الخصال الذي كان يتصف بها راسبوتين فهو يمتلك قدرة على إقناع البسطاء من الجمهور، وقادر على التحدث بذراعيه وتعبيرات وجهه، بالإضافة إلى قدرته الواضحة على التمثيل، ولكنها قدرة ممثل نصف موهوب.

كما وصفه إدريس بأنه يملك جيبًا كبيرًا مفتوحًا دومًا للأموال، ولقد قام أحد الصحفيين بنشر خبرًا في جريدة الأخبار حول هذه الجملة، و”قامت الدنيا ولم تقعد”، فقد كان إدريس قاسيًا فيما قال في نظر الكثيرين.

وايد د زكي نجيب محمود ما قالة د يوسف ادريس متهما الشيخ الشعراوي بانه كهنوت ديني ويقود مجموعة من رجال الدين للهجمة علي الثقافة والمثقفين معتبرا أنه زعيم كبير روحي مثل الخميني يقود مجاميع متطرفة ضد حرية الرآي و التعبير والصحافة .

تدخل بعض علماء الازهر الشريف بجانب الشيخ الشعراوي علي الفور وكتب الشيخ محمد أحمد المسير مقالا تحت عنوان “أدب الحديث عن الله” نشرته جريدة اللواء الإسلامي في 10 مارس 1983 يقول فيه: إن الطامة الكبرى هي في إقامة نفس هذا الحوار أساسًا فهو افتراء وكذب وخداع ولا يغني عن ذلك أن يقول الحكيم: “أقيم أنا الحوار تخيلا وتأليفا”.

ومع احتدام الخلاف أُثير غضب كبار المثقفين ومحبي الشيخ، فقد قال حينها الدكتور أحمد هيكل، وزير الثقافة، إن هذا الكلام “ساقط” وإن نبينا المصطفى صلّى الله عليه وسلم، قال “ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا”، وأن الشعراوى مفخرة مصر، وهاجم سعد الدين وهبة كلمات إدريس قائلًا: “هذا الكلام لا صلة له بأى فكر أو ثقافة وأنه إسفاف من الكاتب“.

وتساءل المسير في مقاله : “أين نحن اليوم مما يفتريه الحكيم في مثل قوله: ـ وفجأة حدث العجب حدث ما كاد يجعلني يغشى علي دهشة فقد سمعت ردًا من الله أو خيل إليّ ذلك وهل إذا درست الحساب بنجاح والتحقت بمدارس العلوم كنت ستراني؟ هذا ما سمعته وهذا يكفي ليجعلني أعتقد أن الله قد سمح أخيرًا أن يدخل معي في حديث ـ ” إن هذا الشكل من الحديث جرأة على الله وإهدار للمقدسات واعتداء على شرف الكلمة وضياع لمعالم الحق وتدليس شنيع، يجب التوقف عنه وإيقافه حتى لا يسقط القلم من يدي الحكيم ويكون هذا آخر ما كتب” !!

انضم المستشار محمود عبد الحميد غراب رئيس محكمة الجيزة  حينها إلي المعركة فكتب في جريدة النور التابعة لحزب الأحرار  يقول : ” لتوفيق الحكيم سابقة أخرى على صفحات مجلة أكتوبر عندما أجرى حوار مع ملك الموت بأسلوب ساخر معه حول الأجر الإضافي ومن يساعد ملك الموت وكان هذا الحديث في واقعه مقدمة لتجرؤ ذاك ـ التوفيق ـ بعد ذلك على سخريته من الله جل في علاه، فهو إذن سبق إصراره بمعاندة الله والنيل من الذات العلية المقدسة، مثله في ذلك كمثل إبليس اللعين الذي استكبر على الله ورد عليه بأسلوب المكابرة قائلا: “فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم” .

وكتب عمر التلمساني المرشد العام للإخوان المسلمين آنذاك بجريدة النور في 9 مارس 1983 مقالا تحت عنوان: “أهكذا تختم حياتك أيها الحكيم”؟ يقول فيه: “هل نسي هذا المتحدث مع الله أن العليم الخبير قد قال بالقول القطعي الثبوت القطعي الدلالة: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من رواء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم}. فإذا كان هذا هو كلام الذات العليا التي يقول الأستاذ أنها ردت عليه فأيهما نصدق كلام الله وقرآنه أم كلام الكاتب الضليع الفيلسوف الحكيم؟!”. وقال : “هل تبين لنا معني قولك إن الأديان نسبية تختص بها أرض دون أرض؟”

بعد كل هذا الهجوم تقدم إدريس باعتذار في الأهرام من خلال مقال حمل عنوان “توضيح عاجل واعتذار، واصفًا ما ورد في مقاله الأول “بالخطأ الفنى المطبعي” سقط إصلاحه سهوًا، وتساءل مستنكرًا “كيف يمكنه الإساءة والتجريح لشخصية عظيمة كالشعراوى؟، مؤكدًا أنه قام بتصحيح الجملة في بروفات الكتاب ولكن هذا التصحيح لم ينفذ مما جعل الفقرة تبدو عنيفة في هجومها

فريدة الشوباشي

ادعت الكاتبة الصحفية والإعلامية فريدة الشوباشي أن الشيخ الشعراوى”طعنها في إحساسها الوطني وأنها لا تحبه، حينما صرح عقب هزيمة مصر في يونيو 1967م بأنه سجد لله شكرًا على هزيمة مصر، وأنه برر هزيمتنا بسبب ابتعادنا عن الله وهذا تفكير عقيم -حسب قولها – ، وأضافت : “يعني إسرائيل كانت أقرب من ربنا لينا كمصريين في الحرب، وأنا مابحبش الشعراوي أنا حرة“. وقالت إنها كتبت للشيخ الشعراوي في حياته “أن الذي يسجد لله شكرًا على هزيمة مصر.. هو بالضرورة يسجد لله شكرًا على نصر إسرائيل”، مضيفة: أنا أغفر أي شيء إلا الطعن في بلدي

ورد الشعراوى قائلا أنه تم انتقاده من الكثيرين وأولهم ولده  وكان رده حين سأله أبنه: كيف تسجد لله وهذا علامة الشكر من نكسة أصابتنا؟ قلت: يا بني لن يتسع ظنك إلى ما بينى وبين ربي لأنني فرحت أننا لم ننتصر، ونحن في أحضان الشيوعية لأننا لو نُصرنا ونحن في أحضانها لأصبنا بفتنة في ديننا. وفي السياق ذاته، قال الشيخ الشعراوي عن حرب أكتوبر 1973م: لما توقفنا عن شعار الله أكبر، كانت الثغرة، ولو أننا ثبتنا على هذا الشعار، لكنا انتهينا إلى تل أبيب

الدكتور طه أبوكريشة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف:” ليس من حق الشوباشي تنصيب نفسها حكماً على العلماء، دون أن تكون دارسة للفقه أو السُنة، وأن الشوباشي وأمثالها أعداء لكل من له صلة بالدين، فهي تكره الإسلام ومن ثم تكره كل من ينشر تعاليمه“.

وأصدر المستشار الدكتور أنور الرفاعي، المحامي بالنقض ورئيس المركز الوطني للدفاع عن حرية الصحافة والإعلام، بياناً مكوناً من إحدى عشرة نقطة جاء فيه: ” لم نكن بحاجة أبدًا لمثل هذه التصريحات المسممة، ووصف تصديها لتفسير آيات القرآن وقولها: إن أول آية في القرآن كانت “اقرأ” وليس “اخرس” بأنه ربط غير أمين وغير راق برقي آيات القرآن، وتساءل لماذا في هذا التوقيت بالذات لماذا هذا الهجوم؟ ولمصلحة من تفعلي هذا أنت ومجموعة العلمانيين؟ وأجاب أنه يخدم مصلحة الإخوان والدواعش وليس الوطن“.

وقالت الإعلامية “بسمة وهبة” : “أخشى أن يكون هذا مدخل فتن للناس لإهانة الرموز الوطنية”، وأشارت إلى أن هناك خطة ممنهجة على الفضائيات تستهدف الرموز الوطنية“.

واستنكر الإعلامي جابر القرموطي، هجوم الكاتبة فريدة الشوباشي، على الشيخ الشعراوي، وتساءل: “ليه أوصف القامة الكبيرة بأنه مُثير للفتن علشان قال سجدت لله بعد نكسة يونيو 67؟.. ما الفائدة التي تعود على مُهاجمي الشعراوي؟

 وقالت الدكتورة سعاد صالح، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، إنالشعراوي” شخصية لن تتكرر، إذ أنه قدّم تفسيرًا القرآن الكريم بطريقة بسيطة، ومن يعرفه جيدًا يدرك مدى حبه لوطنه

الوسوم

الشعراوى- يوسف ادريس- فريدة الشوباشى-ذكى نجيب محمود- توفيق الحكيم- الأزهر


غضبة لله – رحم الله الإمام
بقلــم د. طـــارق رضــــــوان

الأدب وحــرب الفيروسات (كوفيد-19) بقلم د.طــارق رضــوان

الأدب وحــرب الفيروسات (كوفيد-19)

بقلم د.طــارق رضــوان

الأدب بالنسبة لى هو الحب  القادر على توحيد مشاعر كل البشر العقلاء والمجانين منهم. سبق وأوضحت من قبل فى مقالى ” تســييس الأدب ” Politicization Of Literature العلاقة بين الأدب والواقع فذكرت :” مفهوم كلمة “السياسة” : القيام على الشيء بما يصلحه ويذهب المعجم القانوني إلى تعريف السياسة أنها: (أصول أو فن إدارة الشؤون العامة)).” وتسييس” تعنى إضفاء طابع سياسي لشيء ما.

فهل الأدب  هو انعكاس لظواهر المجتمع  أم أن المجتمع هو  المقلد لما يجده فى الأدب بروايته واشعاره ومسرحه؟ هل يتنبأ الأدباء بما هو قادم فى حياة الشعوبمن كوارث ودمار؟ لا شك أن هناك علاقة  قوية لا يمكن فصلها بين الأدب والمجتمع بين الخيال والواقع.

ولأن الموضوع متشعب سوف نبحث معا هذه القضية من خلال وجهات  النظر المختلفة ولكنى ككاتب لا انحاز لأحد فغايتى هى دائما اظهار العلاقة بين الأدب والواقع (المجتمع) والعكس صحيح. وهى محاولة منى لاظهار دور الأدب الغربى والعربى فى حياتنا فهو  لم يخلق للترفيه ولكن له ادوار عديدة منها الجانب التربوى والمعرفى والتثقيفى واعمال العقل فيما يدور حولنا.

ولنبدأ بطرح بعض الأسئلة… هل توقع المخرج السوري عبداللطيف عبدالحميد، وهو يصنع المشهد الأخير من فيلمه «ما يطلبه المستمعون» أن تجري على أرض سورية مشاهد حقيقية مماثلة لما صوره قبل 10 أعوام تقريبا؟

ومـــاذا عن مشهد فى فيلم “قبلة المساء الطويلة” لم تتجاوز مدته الدقيقتين؟!  لقد كان مصدر إلهام، لأتباع نظرية المؤامرة على المسلمين، وأن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، هي صنيعة مخابراتية أمريكية، الهدف منها إعلان الحرب على المسلمين، فبن لادن لا قبل له بتنفيذ عملية إرهابية بهذا الحجم.

أنتج فيلم “قبلة المساء الطويلة” عام 1996، أي قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بـ5 سنوات، يتناول في أحداثه سعي عصابة إلى تفجير المركز التجاري الدولي، وذلك بالتنسيق مع أحد المسؤولين في المخابرات الأمريكية، بهدف إلصاق التهمة بالمسلمين، ثم الحصول على الأموال المناسبة من الكونجرس الأمريكي لإعلان الحرب على المسلمين.

وعند عرض سؤال على د. ذاكر نايك عن احداث الحادى عشر من سبتمبر على لسان كريستوفر لوبو سائلا كيف يمكن أن تثبت أن تفجيرات 11 سبتمبر كانت عملية منفذة من الداخل؟

يقول دكتور ذاكر : نُشر مقال قبل أيام قليلة في صحيفة تايمز أوف إنديا، يبين أن 75 بروفيسوراً وعالماً تابعين لمختلف الجامعات الأمريكية. يعتقدون أن أحداث 11 سبتمبر تمت بتخطيط أمريكي

وقالوا أن بعض رجال السياسة في البيت الأبيض خططوا لتدمير برجي التجارة وأضافوا أن السبب الرئيسي وراء ذلك هو  الهجوم والتمكن من السيطرة على الدول الغنية بالبترول.

وأحد الاساتذة بإسم ستيف جونز قال نحن لا نصدق أن 19 مختطفاً وبعض الرجال في كهوف أفغانستان يمكنهم تنفيذ عملية محترفة كهذه وحدهم يستحيل عليهم تنفيذهذا الهجوم . ويكمل البروفيسور كلامه قائلاً: إننا كأساتذة وعلماء نعلم أن عواميد الحديد في برجي التجارة.

وحــرب الفيروسات (كوفيد-19)

واليوم يعيد التاريخ نفسه وبنفس الطريقة: أعاد فيروس كورونا فيلم «Contagion» الأمريكى إلى دائرة الضوء من جديد، بعد مرور أكثر من ٨ أعوام على عرضه، وأصبح فجأة ضمن قائمة الـ١٠ أفلام الأكثر مبيعًا على منصة.

وفقًا لـ«الجارديان»، فإن الجمهور شعر بأن فيلم «العدوى» تنبأ بالأحداث الحالية، إذ إنه يحكى عن فيروس ينشأ فى الصين بسبب الخفافيش وينتشر بسرعة كبيرة، وهو ما يتطابق مع مسيرة نشوء وانتشار فيروس «كورونا» المميت.
وعلّق موقع «سكرين رانت»، الأمريكى، على الإقبال الكبير على شراء الفيلم، قائلًا: «رغم تشابه قصة الفيلم مع ما يحدث حاليًا إلا أن هناك اختلافات جوهرية، منها أن فيروس كورونا لا ينتشر بنفس سرعة الفيروس الذى يحكى عنه الفيلم، وليس له نفس قوة القتل والإبادة، أما عن أوجه التشابه فهى كثيرة، منها أن منشأ الفيروسين، الحقيقى والسينمائى، واحد هو الصين، كما تلعب الخفافيش دورًا محوريًا فى القضية».
ويرى أصحاب نظرية المؤامرة تلك أن الأمريكان لهم يد فيما يحدث، لأنهم تنبأوا بالأمر، وأن النمو السريع لاقتصاد التنين الصينى كان من أسباب قلق الولايات المتحدة، إذ لم تُجدِ حالة الحرب التجارية التى أشعلها الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، مع بكين منذ وصوله إلى البيت الأبيض فى ٢٠١٧، نفعًا، ولم تضر الصين، فكان لا بد من أمر أكثر خطورة يدفع الاقتصاد الصينى إلى الانكماش، وليس هناك أفضل من فيروس يبيد سكان الصين وينتشر خارجها بسرعة البرق، لتبدأ دول العالم فى إيقاف الرحلات إلى الصين وإغلاق الحدود وانسحاب معظم مكاتب الشركات الكبرى من هناك خوفًا على موظفيها.

ونشر موقع “ساوث تشاينا مورنينغ بوستعن رواية “The Eyes of Darkness(عيون الظلام) للمؤلف الأميركي الشهير دين كونتز, التي صدرت عام 1981، أنّها تقترب من أنها تنبأت تفشي فيروس كورونا في مدينة ووهان وانتشاره في عدد من دول العالم، خلال الشهرين الماضيين.

فالروائي الاميركى دين_كونتز تنبأ” فيه قبل 40 عاما، وفقاً للزعم، بأنّ “مرضاً مصدره مدينة ووهان الصينية سينتشر في المستقبل بسبب مختبر عسكري خارج المدينة أنتج فيروس سيتم استخدامه كسلاح بيولوجي، لكنه انتشر في ووهان بالخطأ، ومنها انتشر في العالم”. صفحات عدة من الكتاب أرفقت كدليل، وقد سُطِّر فيها تعبير محدّد بخط أحمر: “ووهان- 400”. هذا اسم الفيروس، وفقا للرواية

وقالت صحيفة “ميرور” البريطانية، إن العديد من عشاق مسلسل”ذا سيمبسونز” الكرتونى الكوميدى  باتوا على ثقة بأن المسلسل قد تنبأ بانتشار “فيروس كورونا”، بعد أن أعادوا تداول حلقة قديمة تعود إلى عام 1993.

فى المسلسل، تحدث المؤلف عن تفشى فيروس اسمه ” أوسكا فلو” في بلدة أمريكية، بعد أن قدم إليها من اليابان، وتظهر إحدى الصور موظف مصنع فى اليابان وهو يسعل داخل بضائع معبأة في صندوق قبل إرسالها إلى الولايات المتحدة، حيث عانى أمريكيون أعراضا شبيهة بما يسببه الفيروس الحالى.

المسلسل الذى أتم 30 عاما من العروض المتتالية على التلفزيون الأمريكى، قد تنبأ بالعديد من الأحداث بشكل مريب، مثل فوز دونالد ترامب فى انتخابات الرئاسة الأ من جانبها، نشرت قناة “الميادين” أيضا ما وصفته بـ”الوقائع المريبة”، التي تظهر ربما تورط الولايات المتحدة في انتشار فيروس “كورونا” الجديد في الصين.

وأوضحت أنه من اللافت والمقلق في آن واحد ما “تنبّأ” به نائب وزير الأمن الداخلي آنذاك، دانيال غيرستين، مخاطباً المؤتمر الدولي المذكور، 2012، بأن بلاده “تتوقع تفشي وباء مع نهاية عام 2013”. وشاطره “التشخيص” الطبيب جوزيف كيم في شركة اينوفيو للأدوية المنتجة للقاحات.

كما قالت إن “التنبؤ الأمريكي الرسمي بوباء قبل وقوعه أثار جملة أسئلة وتكهنات حول المدى الخطر الذي بلغه برنامج الأسلحة البيولوجية وتهديده لحياة أعداد كبيرة من البشر ورفاهيتهم”.مريكية، وهجمات 11 سبتمبر الإرهابية.

كما أن انتشار الفيروس تزامن مع وصول وفد عسكري أمريكي كبير، قوامه 300 فردا، يصل مدينة ووهان في مقاطعة هوبي الصينية يوم 19 من أكتوبر/2019، للمشاركة في مهرجان ألعاب عسكرية تستضيفها الصين وتُقام هناك.في الثاني من نوفمبر 2019، تم تسجيل أول إصابة بفيروس كورونا في تلك المقاطعة.

ولكن مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية نشرت بدورها تقريرا مطولا، دحضت فيه كل تلك نظريات المؤامرة، وقالت فيه إن فيروس “كورونا” ليس “مخلقا” في مختبر، وليس “سلاحا بيولوجيا.

وقالت المجلة الأمريكية إن نظرية المؤامرة بدأت في الظهور بمواقع صغيرة، تحدثت عن أن باحثين كنديين باعا هذه السلالة من فيروس “كورونا” إلى الصين لتطويرها كسلاح بيولوجي، ولكنه خرج عن السيطرة.

كما تحدث مستشار الأمن القومي، روبرت أوبراين عبر قناة “سي بي إس” الأمريكية عن أن الصين لم تقبل العروض الأمريكية للمساعدة، وهو ما وصفته تقارير إخبارية بمحاولة استغلال سياسي للكارثة.

واستمرت المتحدثة باسم الخارجية الصينية، هوا تشون ينغ قائلة “رد فعل الولايات المتحدة محاولة منها لخلق حالة من الخوف ونشر الذعر في كل العالم”.

وقالت هوا تشون ينغ: “الولايات المتحدة، كانت أول دولة تقترح انسحابا جزئيا لموظفي سفارتها، وأول دولة تفرض حظرا على سفر الأشخاص من الصين”.

الوسوم

الروائي الاميركى دين_كونتز مسلسل”ذا سيمبسونز” مجلة “فورين بوليسي”

الأدب وحــرب الفيروسات (كوفيد-19)
بقلم د.طــارق رضــوان
الروائي الاميركى دين_كونتز- مسلسل"ذا سيمبسونز" - مجلة

الأدب وحــرب الفيروسات (كوفيد-19)
بقلم د.طــارق رضــوان

رسائــل الحكيــم عــن ملك أورشليـــم نبــى الله – “سليمان الحكيم” بقلم د. طــارق رضــوان

رسائــل الحكيــم عــن ملك أورشليـــم

نبــى الله – “سليمان الحكيم”

بقلم د. طــارق رضــوان

يعتبر توفيق الحكيم من رواد الرواية والكتابة المسرحية العربية ومن الأسماء البارزة في تاريخ الأدب العربي الحديث. وهو من أوائل المؤلفين الذين استلهموا في أعمالهم المسرحية موضوعات مستمدة من التراث المصري عبر عصوره المختلفة ، سواء أكانت فرعونية أو رومانية أو قبطية أو إسلامية.

كتب مسرحية “سليمان الحكيم” وقال عنها: ” ” بنيت هذه القصة علي كتب ثلاثة : القرآن والتوارة وألف ليلة وليلة وقد سرت فيها علي نهجي في ” أهل الكهف ” و” شهرزاد ” و ” بجماليون ” من حيث استخدام النصوص القديمة والأساطير الغابرة استخدما يبرز صورة في نفسي لا أكثر ولا أقل “

قام المؤلف بعدة تحويرات وتعديلات أساسية علي سيرة النبي سليمان الحكيم وشخصيته نفسها تحقيقا للفكرةالتى قال عنها أنها فكرة فى نفسه وتجسيدا لها ربما كان من أهمها ، التعامل مع شخصية النبي سليمان تعاملا بشريا خالصا ، مجردا إياه عن مقام النبوة وما يتطلبه هذا المقام من توظيف فكره وعواطفه وجهده للرسالة المكلف بها وتسخير حياته وإمكاناته لها ، وجعل المؤلف النبي سليمان مهموما بكيفية التأثير علي بلقيس التي أحبها حبا جما والبحث بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة للاستيلاء علي قلبها الذي توجهت عواطفه كلية نحو إنسان آخر وهو أسيرها الأمير”منذر” والذى بدوره كان محبا لوصيفة الملكة بلقيس “شهباء” ولكن الأخيرة تخجل من  الملكة بلقيس ولا تصرح بحبها للأمير منذر

هنا يصور  المؤلف نبى الله سليمان بانسان  لا يهتم الا بحبه وشهوته  ويبذل كل ما فى وسعه للوصول الى غايته وهذا بالطبع  لا يليق بنبى أبن نبى، لكن المؤلف أوضح ذلك من خلال مراسلات ورسائل تتم عبر المسرحية بين  سليمان الحكيم وبين بلقيس واصفا نبى الله بأنه سبيانى فى حبه رغم تعدد زوجاته. ويستمر المؤلف فى عرضه وهجومه على النبى سليمان فيعرض فى مسرحيته كيف ينتقم سليمان الحكيم من غريمه “منذر” فيحوله الى تمثال . وبهذا يكون وظف سليمان الحكيم  نعم الله التى أنعم الله عليه بها والنعم التى لم تكن لنبى قبله والتى منحه الله اياها لخدمة الدعوة الى الله، وظفها بغية إشباع هوى ذاتي ورغبة شخصية. فيستجيب سليمان لفكرة من أفكار الجني ” داهش بن الدمرياط ” ! هكذا في رضا واستسلام ، ليقوم الأخير بمسخ الأمير منذر وتحويله إلي تمثال من الحجر ولا يصبح ثمة وسيلة أو مخرج لإنقاذه سوي سكب ماء العيون.  بوالفعل حين يستعد الأمير منذر سيرته الأولى يظن أن من سكب عليه الدموع لفك سحره هى شهباء فيتمسك بها ويحبها أكثر  حتى بعد ان علم أن من بكت عليه هى  بلقيس لا يستطيع أن يفرط فى حبه لشهباء. وتسير الأحداث فى المسرحية لتبين القضية التي عرضتها المسرحية وهي انتصار سلطة القلب علي قمع القوة.

ونري في المسرحية ، كيف أن الرسائل التي كان يبعثها الملك سليمان من أجل إنفاذ الدعوة وتصريف شئون الحكم والدولة والرسائل التي بعث بها أيضا إلي بلقيس ملكة سبأ – كانت رسائل ذات طبيعة خاصة ومحمولة بطرق غير بشرية و منجزة بسرعة لا تقاس بنسب السرعات البشرية المحدودة. والله سبحانه وتعالي قد عضد ملك داوود عليه السلام فقال سبحانه ” وشددنا ملكه وأتيناه الحكمة وفصل الخطاب ” [ سورة ص الآية 20 ]

طموح سليمان عليه السلام في زمن البأس القوة كان طموح نبي عظيم ، طموحا يملأ قلب نبي بحب الله وتحقيق دعوته ونشرها في الأرض ، إنه لم يكن عاشقا للملك المجرد أو تواقا إلي الكبرياء والعظمة لكنه أراد أسباب القوة والملك ، ليحارب الظلام والقسوة التي انتشرت في الأرض وينشر نور التوحيد الذي تكرمت به السماء علي الأرض . ولقد استجاب رب العزة لدعوة نبيه وأجزل نعمه عليه خاصة. قال تعالي : ” وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون ” [ النمل – آية 17

وتتلخص رسائل المسرحية فى الرسالة الأولى حين نقل الهدهد لسليمان أمر الملكة بلقيس وقومها وهى كافرة لا تعبد الله فأمر سليمان  صادوق ( الكاهن في مملكة سليمان ) – اكتب كتابا باسمي واختمه بخاتمي .. ادع فيه ملكة سبأ إلي المجيء إليّ وعرض أمرها عليّ .. واربط الكتاب بساق الهدهد ثم أطلقه في الفضاء.

الرسالة الثانية من بلقيس الى النبة سليمان بعد ان أخذت رأى وزرائها وقرروا أن يرسلوا وفدا رسميا نائبا عنها ومعه هدايا قيمة كى يتبينوا ما فى نفس سليمان: فإن زاغ بصر سليمان أمام بريق الهدية العظيمة فهو رجل يحب المال ويزهو بأسباب الملك والقوة وإن لم يحفل بها ، فهو رجل له شأن آخر غير شأن سائر الرجال والملوك.

الرسالة الثالثة وهي رد من الملك سليمان الحكيم علي رسالة الملكة بلقيس ذات الدلالة والمغزى وهو مغزي فهمه سليمان ووعاه.

وقائع الرد من خلال ذلك الحوار بين الملكة وكبير رسلها إلي سليمان :

الرسول: أيتها الملكة …

بلقيس: ما هذا ؟

الرسول : الهدية يا مولاتي … قد ردها الملك سليمان … قائلا لنا : لا حاجة بي إلي هديتكم ولا وقع لها عندي . ارجعوا إلي بلقيس وقومها ولنأتينكم بجنود لا قبل لكم لها … إذا لم تأت هذه الملكة إلي وتعرض أمرها علي …

الرسول مستمرا : الفضة والذهب يا مولاتي أو أورشليم مثل الحجارة والأرز …

وهنا يطرح السؤال الكبير نفسه علي الملكة وحاشيتها وهو: ماذا يريد الملك سليمان علي وجه التحديد ؟ وتتعدد التأويلات وتسعف الملكة فطنتها وقدراتها السياسية وتقول: ” ولماذا لا نفهم مراده علي وجه آخر … ملك غني يستضيف ملكة طمع في صداقتها ” …

ويعلق وزيرها الأول علي فهمها بقوله : ” حقا يا مولاتي … حقا ما السياسة إلا هذه … براعة تفسير المقاصد ومهارة فهم المراد تبعا لمقتضى الحال . وجهزت الملكة نفسها وبدأت رحلتها نحو مملكة سليمان .
 وحين نفذ الجني خطته بتحويل منذر الى تمثال، يظهر سليمان شماتة واضحة بها ، إذ يعتبر بكائها ودموعها علي حبيبها ليل نهار أشهي إليه من الماء المثلوج في ليلة من ليالي الصيف القائظ .

سليمان: ( ينظر إلى بلقيس ويضحك طويلا ) .
بلقيس: ( دون أن تلتفت ) هذا أنت …
سليمان : أوليس هذا وقت مجيئي ؟
بلقيس : نعم .. جئت علي عادتك .. تمتع عينك بمرأي دموعي !
سليمان : آه .. لو علمت كم يلذ لي مرآها.. إنها تثلج قلبي .. إنه يغتسل فيها .
بلقيس : إنما أذرف دمعا سخينا أيها الملك .
سليمان: إن قلبي ليحسه رطبا باردا أيتها الملكة .. ” المسرحية ص 116 “

وهنا تصل الأحداث إلي ذروتها وتتبلور عقدة المسرحية وحبكتها ويلوح الحل ، في تحقيق الشرط الذي يحدث ويتم بدموع بلقيس ودمعتين آخرتين ، تذرفهما شهباء حبيبة منذر ، ليبتل الحجر وتسري دماء الحياة فيه ، ليجد منذر شهباء أمام عينيه .

ويندم سليمان فى نهاية المسرحية مدركا بأن ما فعله لا يليق بملك عظيم ونبى كريم فيقرر أن يلتفت الى مملكته وشئونها ويكتقى بصداقة بلقيس التى غادرت اورشليم وعادت الى بلادها فى سبأ.

وهكذا تحل لحظة التنوير في المسرحية باقتناع سليمان بأن مفاتيح القلوب بيد الله وحده

فبعد رحيل الملكة ، توجه سليمان آسفا حزينا إلي قاعة الصرح الذي بناه لها ، وأمر الجميع بألا يعكر صفو خلوته أحد واتجه إلي كرسي عرشه ليجلس عليه ، خافضا رأسه ، متكأ علي عصاه ، وظل علي هذا الوضع زمنا ليس بالقليل ، حتى حار كبار حاشيته من طول عزلته علي غير العادة. وتكتشف الحاشية موت سليمان. . ويتبين للجميع جنهم وإنسهم ، خاصتهم وعامتهم ، أن لا قدرة لأحد علي سبر الغيب وأغواره ، فعالم الغيب وعجائبه وحكمة الله المنطوية فيه ، لا قبل لأي كائن بمعرفته

لا شك ان هناك هوة بين هذا العمل الأدبى وبين سيرة النبى سليمان المعروفه بالقرأن ولكن هذا تم لغرض فى نفس الكاتب فصنع انحراف فنى يخدم فكرته ولكنه تداركه فنيا فيبرز ما حدث بانه لحظة ضعف فى حياة سليمان الحكيم، نتج عنها ما نتج من أحداث ، ويحاول بنزعة تأكيد وإلحاح – أن يفرد فصلا بكامله ، حافلا باعتراف الملك سليمان بالذنب والتقصير والحيد عن مطلوبات الحكمة في لحظة ضعف إنساني . أسوء مافي المسرحية، هناك مقطع صغير وهو عبارة عن حوار قصير بين سليمان والكاهن، بإختصار في تلك المحاورة يريد سليمان أن يقول للملأ أنه مثل بقية البشر معرض للخطأ والمعصية. هنا يقول سليمان للكاهن أنتم الذين دائماً تتسترون على عيوبنا وهذا هو عملكم، طبعاً المعنى واضح وهو أن الكهنة وعلماء الدين هم من ينزهون الأنبياء من المعصية ويحسنون صورتهم.

المصادر والمراجع:

1- مسرحية ” سليمان الحكيم ” توفيق الحكيم .

2- موسوعة ويكيبيديا العربية


رسائــل الحكيــم عــن ملك أورشليـــم
نبــى الله – “سليمان الحكيم”
بقلم د. طــارق رضــوان

الأدب الساخر (ضريبة اللباقة) Sarcastic Literature (Tribute Of Fluency) بقلم د. طارق رضوان — مصر

الأدب الساخر (ضريبة اللباقة) Sarcastic Literature (Tribute Of Fluency) 

بقلم د. طارق رضوان   — مصر

ربما كان شاعر المهجر الكبير إيليا أبو ماضي، المتوفى قبل أكثر من نصف قرن، يجادل عصرنا الحالي الذي تحاصره الكآبة أينما ولى..! فهو القائل:
قال السماء كئيبة! وتجهما
قلت: ابتسم يكفي التجهم في السما!

الأدب الساخر كوميديا لاذعة تضحك وتبكي. وينتشر النكات كمتنفس ووسيله لرفض  الاستسلام  لمفارقات تلك الحياه. أو كما قال المتنبى .. “ولكنه ضحك كالبكاء”. ظهر الأسلوب الساخر في الفن لأول مرة عند الرومان واشتمل نوعين:

سخرية هوراتيان: وسمي هذا الاسم نسبة إلى الروماني هوراس الذي كانت تتميز سخريته بالبراعة حيث كان ينتقد بشكل عام الطبيعة البشرية وحماقات الإنسان.

سخرية جوفيناليان: وسمي هذا الاسم نسبة إلى الروماني جوفينال الذي كان يتميز أسلوبه الساخر بالحدة والسخط والغضب من رذائل البشرية.

 الأدب الساخر جزء من كيان الأدب بشكل عام،فالأدب مرآة المجتمع، يعكس ثقافته ووعي أفراده، ويرتبط الأدب بقيم المجتمع وثقافته، سواء في مضمونه أو رسالته، كما أن الأمور تختلف من دولة لأخرى، ففي بعض الدول فإن القيم الدينية والأعراف هي التي تحكم، وليس القيم الاجتماعية، وهنا ندخل في مسألة الثوابت، أما في دول أخرى، فيستطيع الأدباء السخرية من بعض الثوابت، وهذا يعود إلى ثقافة المجتمع نفسه. إن السخرية من أي عيب اجتماعي هي عملية تطهير للمجتمع من هذا العيب وهي عملية شعرية بامتياز.

هل يرتبط الأدب الساخر بالتجريح والإساءة؟: حين يلامس الأدب الساخر القيم يتحول إلى تجريح..لذا على الكاتب أن يعيش في المجتمع ويتعرف على ثقافاته وقيمه قبل أن يوجه قلمه الساخر نحو أي من تفاصيله. الأدب الساخر كالمسرحية، له جمهور أكثر من الدراما، وبالقياس والمقارنة مع المسلسلات، نجده كالأعمال الكوميدية التي تحصد نسبة مشاهدين أعلى من غيرها في كل عام.  فهو يتجنب الإساءة إلى الآخرين وخصوصاً ما يتعلق بالأصل أو اللون أو الشكل، ولكنه يتناول التصرفات والسلبيات التي يصنعونها بأيديهم وإرادتهم، وهذا هو الهدف من الأدب الساخر، انتقاد السلبيات وطرح المشكلات بطريقة واعية وخفيفة الظل.

أن تكتب مقالا أو كتابا ساخرا، كأن تمسك في يدك مشرطا، تدغدغ به من أمامك، فتتباين انفعالاته وأحاسيسه، وكأن تنثر الملح على الجرح بينما تبتسم شفتاك.. وكأن تقدم مشهدا كوميديا يختزل وراء كواليسه جرعات من الألم، هذا هو الأدب الساخر: قلم يجسد حالة رفض لسلبيات تنهش في جسد المجتمع أو أي زوايا أخرى، ولكنه يضخ النكتة في عروقك، لتجد نفسك تضحك وتبكي في الوقت ذاته.

وسائل الكتابة الساخرة: تتعدد وسائل الهجاء الذي يستخدمها المؤلف لنقد شيء ما: بعض الكتاب يستخدمون المقارنة المبالغ فيها لتضخيم الأمور والمبالغة في عرض الحقائق. والبعض يستخدم السخرية من خلال ذكر العبارات المعاكسة للمعني؛ فمن الممكن أن يقول كلمات ثناء وهو قاصد بها الذم، والعكس صحيح بحيث يقول كلمات الذم قاصدا بها الثناء.

سخرية سقراط: وهي التظاهر بتجاهل أمر ما لكي يتم فضح جهل شخص أخر.

وهمية المديح: وفيها يتم استخدام الثناء والمديح بغرض اللوم والإدانة.

التنكر: ويتم من خلال تقديم الهجاء داخل موضوع جاد أو تافه.

الاستهانة: من خلال تقديم شيئا ما بصورة أصغر أو أقل أهمية مما هو عليه في الحقيقة.

الهجاء، من خلال استخدام أسلوب السخرية الحادة، والتهكم والازدراء

  لا أري أن الأدب الساخر فى طريقه الى الاختفاء وربما يكون هذا الرأي هو رأي بعض أصحاب دور النشر والتي تقيس نجاح ورواج الكتب بمقاييس تختلف  عن مقاييس ازدهار الأنواع والالوان المختلفة  للأدب ولا أري  أن وسائل التواصل الاجتماعي قد أثرت بالسلب علي الادب الساخر  ، فتلك الوسائل قد ساعدت في الانتشار السريع  “للمادة  الساخره”  في صور متعددة أغلبها “كوميكس” وهنا لا يجب ان نقول ان ذلك النوع او اللون من الماده الساخره قد يطلق عليه “أدب” ولكن بعضاً منه قد يدخل تحت نطاق الادب الساخر  ! هناك من يشير إلى وسائل التعبير بالصوت والصورة، ومنافستها للتعبير المكتوب. وهذا صحيح تماما في أي لون من ألوان الأدب. انظر مثلا الأعداد الهائلة لمشاهدات لقطات الـ(يوتيوب) الساخرة. لا شك في أن لهذا تأثيرا على القراءة، ومنها قراءة الأدب الضاحك

نصائح هامة لكتابة مقالة ساخرة ناجحة: يجب أن يحافظ الأدب الساخر على رقيه، وأن لا يكون هدفه إضحاك الناس في المقام الأول، بل يكون تناول قضية معينة هادفة. والأدب الساخر يتسم بالصعوبة في كتابته، إضافة إلى أن تبعاته ليست سهلة أيضاً، تماماً كأدب الطفل، الذي يعتقد كثيرون أنه سهل، ولكنه أصعب بكثير من غيره.

تأكد من أن تكون لغتك قوية ومليئة بالسخرية وغنية بتنوع الألفاظ الهجائية. ومما يساعدنا في هذا الأمر غنى لغتنا العربية بألفاظ عديدة جدا ومتنوعة وتعطي نفس المعنى بدرجات متفاوتة.

يفضل استخدام أسماء خيالية أو مستعارة بدلا من الأسماء الحقيقية الخاصة بالموضوع لأن هذا سيزيد من الإثارة والتشويق. حاول أن تتظاهر بالجدية. عليك أن تبالغ بالنتائج الغير حقيقية، من خلال توقعاتك المبالغ فيها للمزيد من السخرية .قم بتقديم النصائح المثيرة للسخرية، من خلال النصح بما هو معاكس عن المفترض فعله.  لا تقم بشرح الطرائف وسخريتك لأن هذا يؤدي إلى فقدان قيمتها وهدفها

 مشكلة الأدب الساخر  تكمن في حاجته الماسة إلى مصدر إلهام، لخلق الفكرة.. وكلما زادت الحرية زادت مساحة الإبداع في الأدب الساخر، فالسياسة هي الساحة الأكثر ثراء في ما يتعلق بالأدب الساخر. لأن الساحة السياسية تفاجئنا يومياً بمواقف يمكن الاستفادة منها وتطويعها في مجال الأدب الساخر. يختلف تقبل الأدب الساخر وطبيعة تناوله، من بلد إلى آخر. ففي حين يضحك البعض على جوانب معينة، يجد آخرون أنها لا تحتمل الضحك.  ومن المؤكد أنه لا يوجد فاصل واضح بين القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لتشابك بعضها مع بعض. واختفاء الأدب الساخر من المشهد الثقافي، سببه قلة من يكتبونه من الشعراء والروائيين والقصاصين، ولأنه يحتاج إلى موهبة وأدوات تعبيرية عالية. ويبدو أن لكل زمان (أبطاله) ممن حملوا على عاتقهم إصلاح الكون، وإنقاذ العالم من أزماته، وإقالته من عثراته ببضع تهويمات لفظية تساهم في اتساع ثقب الأوزون الأدبي.
واعترض أحد القراء على كتابات (حسن السبع) الهازلة بأن «البال مشغول». فيقول (السبع): يبدو لي أن بال القارئ مشغول، لأن سفينة الحياة في العالم العربي على وشك الغرق، وأنه لا قدرة له على الضحك. وكأن التجهم هو الذي سينقذ السفينة من الغرق. وأوشك بعضهم أن ينظر إلى هذا اللون الأدبي كأنه «مؤامرة» من تدبير الأعداء. قلت للقارئ صاحب «البال المشغول» الذي يستكثر علينا الابتسامة في هذا العصر الضاج بالبكاء: لن يتوقف النشيد لو نقصت الجوقة عازفا واحدا، ولن يضار الفضاء الفسيح لو نأى طائر واحد عن السرب، ولن يتوقف سيل الدموع لو غاب عن المأتم بكاء واحد.

إن كتابة أدب المقاومة لا تعني أن يمتلئ الأدب بالسلاح والشعارات والخطب.” غسان كنفاني
هي كتابات ساخرة ناقدة كتبها الأديب الكبير غسان كنفاني تحت اسم مستعار هو فارس فارس ونشرها في ملحق الأنوار ومجلة الصياد وجريدة المحرر و بهذا الاسم المستعار أخذ الأديب الفلسطيني غسان كنفاني يكتب مقالاته الساخرة  لكي يخرج عن النهج الذي اعتاده وينطلق بحرية أكثر مبتعداً عن ضغط العمل، نُشرت هذه المقالات في عدة صحف ومجلات عربية منها :الأنوار و الصياد.

تحدث كنفاني في مقالاته هذه عن الكتب و الكُتاب و انتقدهم بطريقة لاذعة وعميقة، غسان الذي سخر قلمه ليدافع عن قضيته ومعاناة شعبه سخره أيضا في مقالاته للدفاع عن الأدب ضد الانحلال و الضياع ، تلك المقالات الأسبوعية كانت طرازا فريدا في النقد الأدبي العربي.

في عام 1998، صدر للشاعر السعودي ناجي الحرز ديوان «رقصات ضاحكة»، وحملت مقدمته تقديما للناقد عادل اليوسف ذكر فيها أن قصائد هذا الديوان يجب أن تقرأ مرتين: واحدة للضحك وأخرى للبكاء، لما احتوت من تلميحات لبعض القضايا وهموم الناس بطريقة السهل الممتنع.

وصف كتاب على باب الله – كتاب ساخر وناقد: هذا الكتاب عبارة عن مجموعة مقالات للكاتب المشهور محمود السعدني، والتي تم نشرها في الصحف، وأغلبها عن أحوال مصر وشعبها، ويجد القارئ أن كثيرًا من المقالات تناقش مشكلات مازالت موجودة إلى وقتنا الحالي، مثل مشكلة التلاعب بالقمح من وزير التموين، وسلبية أعضاء مجلس الشعب، وعدم صعود مصر لكأس العالم، وغياب الميداليات الأوليمبية والتمثيل المخيب للآمال، وكذلك هناك عدد من المقالات السياسية التي توضح رأيه في حسني مبارك، وبعض الأعمال التي قام بها، وأيضًا أوضحت بعض المقالات حديثه ورأيه في كمال الشاذلى وأبو العينين، وغيرهم، وكذلك حديثه عن بعض الوزراء المصريين، فالكتاب يجمع مقالات سياسية واجتماعية وفكرية ورياضية، وغيرهم.

صفات الكاتب الساخر: يجب أن يكون الكاتب قادرًا علي قلب التناقض والمفارقات الى شيء مضحك وساخر يمتزج بقليل  من  المراره وربما الحسره.

وهناك أيضاً مثال غريب  فالكاتب الروسي “ميخائيل زوشينكو”  كان مصابا بالاكتئاب حين كتب مجموعته القصصية الساخرة والتي لاقت نجاحاً ساحقاً  لم يكن يتوقعه وجعلت  القارئ يضج بالضحك مما كتبه !وهنا يكمن سحر الادب الساخر  في القدره علي خلق الضحك وإيجاده بل وانتزاعه من مراره الواقع ومتناقضات الحياه !

في أوائل عام 1922، صدرت المجموعة القصصية الأولى لميخائيل زوشينكو، فضج الناس بالضحك، وضج قبلهم المنضدون وهم يجمعون أحرف القصص لكاتب ناشئ. وفي عام 1928، كتب تيكولاي إردمان مسرحية «المنتحر»، المغرقة في سخريتها من وضع الإنسان في مجتمعات الاتحاد السوفياتي، التي قادها البلاشفة الذين أسقطوا سلطة القيصر بطرس وعائلته (دمويا) في عام 1917. فلم تنشر المسرحية في كتاب، ولم يسمح بعرضها آنذاك، لأن ستالين لم يرضَ عنها. نفدت المجموعة القصصية الأولى لزوشينكو من السوق خلال عدة أيام، ثم أخذت دور النشر والمجلات تتسابق على نشر قصص هذا الكاتب الشاب، المولود عام 1894. ولن يعد الأمر غريباً إن نجحت المجموعة القصصية هذه في الأوقات العادية، لكن قصص هذا الكاتب الروسي ظهرت في سنوات تلت الثورة البلشفية التي أسقطت القيصر بطرس وعائلته (دمويا)، لتروي في شكل ساخر شكل الحياة في تلك الفترة، من خلال حكايات الروس الذين وجدوا أنفسهم فجأة محكومين بشعارات كثيرة فرضها من قاموا بالثورة البلشفية التي تحدثت عن تحريرهم من حكم القيصر، لكنها في الحقيقة حولتهم إلى نماذج بشرية مثيرة للشفقة. وما كان يحتاجه هؤلاء أن تروى مصائرهم الصادمة على لسان حكواتي ساخر، فهذا أفضل أشكال المقاومة المتاحة آنذاك.

قام نيكولاي إردمان بتأليف عدد من المحاكمات الساخرة التي تتسم بالحدة والمبالغة في التشخيص. واعتبر النقاد أعماله الدرامية حلقة وصل في تاريخ المسرح الروسي بين الدراما الساخرة التي أبدعها كاتب روسيا الكبير نيكولاي غوغول ومسرح ما بعد الحرب العالمية الثانية. تحكي مسرحية «المنتحر» بسخرية لاذعة رغبة مواطن في الاتحاد السوفياتي بالانتحار، لأنه لا يعمل، ويعتمد على زوجته وأمها في الإنفاق عليه وعلى البيت، لذا يواجه الإهانة عندما يرغب في بعض النقانق ليلاً بسبب الجوع، فتعنفه زوجته التي لا يقدر تعبها وتضحيتها. يفضح النص المسرحي حالات الانتهازية بأنواعها: حزبية، ودينية، واجتماعية التي استغلت عزم «مواطن» على الانتحار نظراً لظروفه المعيشية الصعبة. فبرزت جهات كثيرة مستفيدة من الموقف المأساوي، مطالبة إياه بأن يكتب بياناً يبين فيه سببه انتحاره، لتستثمر الموقف لصالحها، أو ضد جهة أخرى

وللأدب الساخر فرسانه مثل:

شيخ الساخرين: جورج برنارد شو، كاتب مسرحي أيرلندي، حاز على جائزة “الأوسكار” في الآداب، ويعد من الملحدين المتسامحين مع الأديان الأخرى، وكان برنارد شو نصيرًا للفقراء، خاصًة وأنه عاش فقيرًا، ويذكر أن “شو” رفض زيارة الولايات المتحدة، حتى لا يرى تمثال الحرية، في بلد يُهان فيه الإنسان.

الولد الشقي: محمود السعدني أو “العبد لله”، كاتب مصري، ورائد من رواد الكتابة الساخرة في الوطن العربي، سجن في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وتم نفيه بعد اتهامه في الاشتراك بمحاولة قلب نظام الحكم، وعاد مرة أخرى إلى مصر في عهد “مبارك، وتُوفي عام 2010.

عميد الكتاب الساخرين: أحمد رجب، كاتب مصري، من أشهر الكتاب الساخرين في العالم العربي، كانت له مقالاته اليومية تحت عنوان “نص كلمة”، وكانت عبارة عن رسالة ساخرة مختصرة، تعبر عن وجهة نظر، أو رأي في موقف معين، وكانت من أهم شخصياته الكاريكاتيرية “فلاح كفر هنادوه”، “مطرب الأخبار”، “عبده مشتاق”، “كعبورة”.

لوريو الألماني: لوريو كاتب ألماني، ويعد من أشهر الساخرين في ألمانيا، حيث اعتمد على الكوميديا القائمة على سوء التفاهم، وانتقد بصورة كوميدية ساخرة صفات الشعب الألماني، مثل الدقة والجمود، والموضوعية.

السخرية الراقية: أحمد بهجت، كاتب مصري، يقول عنه الكاتب علاء الأسواني إنه “صاحب القلم الذي يجمع بين الفن القصصي، والعمود الصحفي، والسخرية الراقية، والتدين الصحيح”،  ومن مؤلفاته مذكرات زوج، مذكرات صائم، واعتاد على كتابة عمود صحفي تحت عنوان “صندوق الدنيا”.

إمام الساخرين: اعتمدت كتابات جلال عامر على رسم “البسمة الباكية”، على الوجوه، وكان لـ”عامر” مدرسته الخاصة، حيث اعتمد على التورية، وسرد الأفكار العديدة بصورة متماسكة، ومن أشهر مؤلفاته مصر على كف عفريت.

زوايا: جعفر عباس، كاتب سوداني، غلبت علي كتاباته الطابع الساخر، ويعد الكاتب العربي الأول الذي ضمته النسخة الإنجليزية من “ويكيبيديا” إلى قائمة الكتاب الساخرين في العالم، وتتخذ مقالاته الساخرة عناوين متعددة منها زاوية معكوسة، زاوية حادة، زاوية منفرجة، غامقة.

أبو الأدب الإنجليزي: صامويل لانغهورن كليمنكس، والمعروف بـــ “مارك توين”، وصفه البعض بأنه أعظم الساخرين الأميريكيين في الفترة من 1835 وحتي 1910، اعتاد على كتابة مقالاته الساخرة في جريدة “هانيبال”، ولقبه الوليان فوكنر بأبي الأدب الإنجليزي، حيث قدم من خلال كتاباته ما يسمي بأدب الخيال العلمي. 

الانتحار الأدبى وتراجع القيم الانسانية بقلم قيصر الأدب د.طــارق رضــوان

الانتحار الأدبى وتراجع القيم الانسانية

بقلم قيصر الأدب

د.طــارق رضــوان

بعد بحث وقراءة في موضوع الانتحار وربط الأسباب الخفية سيكيلوجيا والتي تجعل شعراء وأدباء عالميين ينهون حياتهم بالانتحار تبين أنها كانت في الدرجة الأولى انعكاسا لما يقدمونه من أدب اتسم بالتشاؤم والسوداوية نتيجة مرض الهوس الاكتئابي أو الاضطراب ثنائي القطب.

يذكر هوميروس -الشاعر الإغريقي الشهير- أن الانتحار عمل مقبول يقره المنطق كردة فعل تسقط فيها كل الخيارات حين تواجهك صدمة كارثية لا يمكن لك أن تتقبلها.

كان كلامه مبررا لانتحار(جاكستا) التي تزوجت (أوديب) وأنجبت منه أربعة أطفال ثم اكتشفت مؤخرًا بإن أوديب هو ابنها فقررت الانتحار بفعل تلك الصدمة غير المتوقعة وفقا لماتقوله الأسطورة في (الأوديسية). ونجد أن وليم شكسبير يتحدث على لسان (كاسيوس) -الذي مات منتحرا- في التراجيديا الرومانية (يوليوس قيصر) فيقول: ” إن المرء الذي يموت قبل عشرين عاما من أجله، إنما يختصر مدة خوفه من الموت بنفس العدد من السنين

الانتحار كفعل لتحقيق الطمأنينة

اختلفت الأسباب المودية إلى انتحار أغلب العاملين في المجال الفنّي والأدبي، على الرغم من انتهاء الأطباء النفسيين إلى نتيجة مفادها أنّ الانتحار ناجم في الدرجة الأولى عن اضطرابٍ عقلي. وتعدَّدت أشكال التعبير عن السّخط أو اللا طمأنينة في العالم لدى الكتَّاب والأدباء أو المشتغلين في المجال الفنّي أو الفلسفيّ، وبغضِّ النظر عن تعبيرهم عن ذلك في منتوجهم الأدبي، فقد تخطَّى التعبير لدى البعض منهم ليصل إلى تحقيقه فعليَّاً، وهو الانتحار، ربمّا كخلاصٍ من التوتر أو الظلم أو العذاب اليومي، أو ربمّا للتعبير بشكلٍ أدقّ عن حالة المعاناة، أو ربمّا في محاولةٍ لتحقيق الخلود كما جالَ ذلك في خاطر أغلب الفلاسفة المنتحرين!

ويرى(فريدريك نيتشه) أن على الإنسان أن يجعل من موته عيدًا فيختار هو لحظاته ، موعده، وشكله، ولا يترك للموت المفاجئ والقدر أن يخطفا منه هذا الاختيار الإيجابي الجميل.أما الكاتب الأمريكي إرنست هيمنغواي الحاصل على جائزة نوبل في الأدب عن روايته (العجوز والبحر) فقد عمد إلى إنهاء حياته منتحرا بإطلاق رصاصة من بندقيته على رأسه.

كما فعل تماما الكاتب الروسي فلاديمير مايا كوفسكي وكذلك الشاعرة الأمريكية سيليفيا بلاث والكاتب الياباني يوكوماشيما وغيرهم الكثير الكثير.

كما اعتُبِر فنسنت فان غوخ من أشهر الرسَّامين المثيرين للجدل، فحياته لم تخلو من المعاناة، وباتَ مضرب المثل في أنّ الفنان التشكيلي يبقى طوال حياته في رحم المعاناة دون أن يخرج منها، وفي نظرةٍ سريعةٍ على ما كُتِبَ عنه أو روي، سنلحظُ مدى البؤس الذي عاشه هذا الفنان، وكثرة التنقّل على خلفيَّات الفقر والعازة، إضافةً إلى تعرّضه لنوباتٍ عديدة من الإضطرابات العقليَّة، وربّما السنوات الخمس الأخيرة من حياته كانت الفيصل في اعتباره من أشهر الفنانّين حول العالم على الإطلاق، حيث رسم ما يربو فوق الـ 700 لوحة، هي كل ما نعرفه عن فان غوخ، متوِّجاً كل ذلك بطلقةِ مسدَّس، منهياً حياة البؤس والحزن الذي يدوم.

وتعتبر «فيرجينيا وولف» من علامات الأدب الإنجليزي في القرن العشرين، فقد تركت ميراثًا هامًا من الروايات والقصص القصيرة والمقالات وحتى الدراسات النقدية . حتى بعد رحيلها ظلت مُلهمة للكثير من الحركات النسوية، بل كتب عنها الأدباء مسرحيات وروايات مستوحاة من حياتها، ودرس الطلبة أعمالها في أغلب مدارس العالم، وظهرت صورتها على طوابع البريد.

رغم هذا النجاح والشعبية، عانت «فيرجينيا وولف» من الاكتئاب بعد كتابة آخر أعمالها، بالإضافة لإصابتها في الأصل بمرض الاضطراب ثنائي القطب الذي يجعل الشخص يتأرجح بين الفرح الشديد والحزن التام.

ومع قلة الفهم لحالتها، قررت الأديبة الانتحار غرقًا في عمر 59 سنة، وقبل الرحيل كتبت رسالة شهيرة جدًا بأسلوبها الأدبي العذب، كأنها جزء من قصة أو عمل روائي، الرسالة موجهة للزوج هذه المرة وتقول فيها:

  كل ما أريد قوله هو أننى أدين لك بسعادتى. لقد كنت لطيفًا معي وصبورا والجميع يعلم ذلك، لو كان بإمكان أحد ما أن ينقذنى فسيكون أنت

«عزيزى، أنا متأكدة بأننى سأجن، ولا أظن بأننا قادرون على الخوض فى تلك الأوقات الرهيبة مرة أخرى، كما لا أظن بأننى سأتعافى هذه المرة، لقد بدأت أتخيل أصواتًا وفقدت قدرتى على التركيز، لذا سأفعل ما أراه مناسبًا، لقد أشعرتنى بسعادة عظيمة ولا أظن أن أى أحد قد شعر بسعادة غامرة كما شعرنا نحن الاثنين سويًا إلى أن أصابني هذا المرض الفظيع، لست قادرة على المقاومة بعد الآن وأعلم أننى أفسد حياتك وبدونى ستحظى بحياة أفضل. أنا متأكدة من ذلك، أترى؟ لا أستطيع حتى أن أكتب هذه الرسالة بشكل جيد، لا أستطيع أن أقرأ. كل ما أريد قوله هو أننى أدين لك بسعادتى. لقد كنت لطيفًا معي وصبورا والجميع يعلم ذلك، لو كان بإمكان أحد ما أن ينقذنى فسيكون أنت، فقدت كل شىء إلا يقينى بأنك شخص جيد، لا أستطيع المضى فى تخريب حياتك»

وأيضا تكاد تكون حكاية سيلفيا بلاث 1932 – 1963 مع الانتحار الأكثر غرابةً على الإطلاق، فعدا عن الأمراض النفسية التي كانت تعاني منها طوال حياتها، سوى أنَّها كانت شعلةً مُتّقِدة في المجال الكتابي، وبرعت في نشاطها الأدبي إلى أبعد حدٍّ ممكن، مركِّزةً على الكتابة حول الموت في تصوّرٍ طغى على مجمل أعمالها في الشعر والرواية والقصة القصيرة.

أنهت حياتها بأن وضعت رأسها داخل فرن الطبخ المنزلي، ليعثر على جثتها صباح 11 فبراير عام 1963.

وكمثال للانتحار في السينما المصرية.. سعاد حسني في “موعد على العشاء”.. وميرفت أمين في “حافية على جسر الذهب”.. سناء جميل وعمر الشريف في “بداية ونهاية”

ولا ننسى أن النجمة الهندية حققت شهرة لا بأس بها في السينما الهندية (بوليوود)، إلا أنها قررت فجأة شنق نفسها، وعثر عليها معلقة في سقف غرفتها عام 2013، وتركت رسالة من 6 صفحات تكشف أسرار انتحارها، وملخصها أنّ علاقتها بصديقها هي التي دفعتها لقتل نفسها، وتقول في سطر منها: “لا أدري لماذا جمعنا القدر معاً؟ وبعد كل الألم والعذاب قررت الانتحار لأنني لا أستحق هذا“.

Design a site like this with WordPress.com
Get started